الغرفة ضيقة جدا لا تتسع لأكثر من خمسة أشخاص يجلسون في مواجهة شخص واحد كلهم ينتظر الفرج على يديه لكنها تكتظ بأكثر من عشرة اشخاص وكأنهم أسرى، كلهم ينظر الى الآخر، يتمنى الخلاص من وجوده بأسرع ما يمكن بانصرافه من تلقاء نفسه أو بصرفه من قبل ذلك الأمين القابع امامهم والقابعين امامه. والحوار معدوم على الشفاه محتدم في القلوب، كلهم صامت لا ينبس ببنت شفة وهو وفي داخله تتقاتل ألف بنتٍ من بناته، بنات أفكاره اللواتي أسهرن صواحبهن الجالسين أمام ذلك الحارس الأمين على باب سيده. «الوجه الاول» رجل قد ذهب جديد أيامه ورَقّ اهابُه وبَليَ ثوب عمره فلم يبق منه الا شيخ كبير كان في زمنه رجلا مهابا ذا قوة وعنفوان لكنه لم يصنع بذلك العنفوان والقوة تجارة ولا عقارات ولا أموالا تبقيه مُهاباً في زمن لا يعرف أهلُهُ قدراً لغير ذي مال أو جاه لذلك هو قابع أمام صاحب الباب بضغط من أم عياله العجوز وبناته الخمس اللواتي بتن يخجلن من بقائهن في ذلك البيت القديم في ذلك الحي القديم الذي شد الرحال أهله وحل محلهم كل غريب الوجه واليد واللسان. لذلك فذو الشيبة الشيخ الكبير قابع أمام صاحب الباب ينتظر توقيعا. «الوجه الثاني» امرأة عمياء تقودها زوجة ابنها الآسيوية التي تزوجها وما لبث ان رحل وترك لها أولادا سبعة ضاق عليهم البيت الصغير وهي منذ أن مات الرجل تقف بالباب تنتظر اضافة على بيتها وصاحب الباب مشغول لا يفتح باباً ولا يفوض امراً لسواه ليوقع على حاجة المرأة العجوز وزوجة ابنها الراحل. «الوجه الثالث» شاب يعمل مدرساً لا يجد وقتاً يحك فيه رأسه لكي يجد وقتاً ليجلس في باب صاحب الباب ينتظر توقيعه على قطعة تراب يبنيها لكنه مضطر ليجلس ينتظر الفرج على يديه، لكن الامر ليس بالهين فصاحب الباب يأتي ولا يأتي، موجود مشغول، والمدرس الشاب واقع بين نظرات ناظر المدرسة التي تتهمه بالتسرب من عمله وبين الحاح زوجته التي مَلت سُكنى شقة الزوجية التي أكلت جزءا من راتب زوجها المحدود وهو مع ذلك واقع في حفرة الانتظار في غرفة حاجب صاحب الباب. «نظرات في الوجوه» ولو نظرت في تلك الوجوه القابعة أمام باب صاحب الباب لقرأت قصصاً وقصصاً حائرة النهايات والخواتيم حلها ـ بعد اذن الرحمن ـ بيد ذلك القابع وراء مكتبه محجوبا الا عمن يشاء او من لا يستطيع منعه او من هو في حاجة الى جَرّةٍ من قلمه أو من يملك اكثر مما يملك هو. أما الوجوه القابعة أمام مكتبه فهي مخلوقات مسكينة عُلقت مصائرها بيده اذا ترفق انجز لها حقوقها البسيطة واذا شاء حرمها او ماطلها حتى تترك حقوقها داعية عليه. ولو تذكر صاحب الباب قُدرة الخالق عليه لما ظَلَم واحتجب ولفتح الباب على مصراعيه يقضي حاجات الناس التي وضعه ولي الامر لقضاء حاجاتهم وان من اولياء امورنا من يمكنك الدخول عليه كل يوم ولا تستطيع الدخول على صاحب الباب. لا تَظلِمَنّ إذا ما كنتَ مقتدراً إن الظّلومَ على حَدٍ منَ النّقَمِ تنام عيناك والمظلومُ منتبِهٌ يدعو عليك وَعينُ اللهِ لم تَنَمِ