خلاص! انتهى الدمار وبدأ الحوار! انتهى الصراع وبدأ الخضوع للأمر المطاع! لا يكاد العرب يصدقون ما يجري على الساحة الفلسطينية: سجناء يحاكمون سجناء. محاصرون يصدرون أحكاما بـ «السجن» على محاصرين. مناضلون يسلمون مناضلين للأمريكان والبريطانيين ليحرسوهم في سجن من سجون قطاع غزة، وشارون لا يرضى. يريد إما قتلهم ... وإما تهجيرهم. كأننا أمام مسرحية من نوع مسرح يوجين يونسكو العبثية. أشخاص يتحركون في مسرح الظل ... يخرجون من المقر المحاصر برام الله متعبين منهكين فرحين ملوحين بعلامة النصر. وأشباح بشرية هزيلة من عواجيز وشيوخ وأطفال يهيمون على وجوههم على أنقاض جنين، باحثين عن جثة ابن أو شقيق أو جار بالأيدي والأظافر ... حيث لم يبق لهم إلا الأيدي والأظافر لنبش الأطلال. وعلى هذا المشهد الإنساني المأساوي تطلع علينا ابتسامة شارون الكارثية تنادي بمؤتمر سلام، وتطلع علينا ابتسامة كولن باول الدبلوماسية مؤيدة مهللة لمؤتمر سلام. يوم الأحد الماضي الخامس من مايو قتل جنود الصهاينة على أنقاض جنين ثلاثة من «أعتى الارهابيين» و«أخطر الارهابيين»: الطفل باسل وعمره أربع سنوات وأخته الطفلة عبير وعمرها ثلاث سنوات وأمهما البريئة الشهيدة فاطمة محمد عبدالله الزكارنة. محور الخير الاسرائيلي الأمريكي ... ضرب يوم الأحد بقوة محور الشر الفلسطيني العربي المسلم في ثلاثة شهداء خطيرين.. يهددون أمن وسلام اسرائيل وأمريكا والعالم الحر .. باسل وعبير وفاطمة. رصاصات في الرأس والصدر جاءت من قناصة متمرسين ومتمترسين يدافعون عن محور الخير ويغتالون ابتسامة بائسة عنودا ترتسم على شفاه ملائكة في عمر باسل وعبير. رحمك الله يا خليفة رسول الله ورضي الله عنك أيها الفاروق عمر بن الخطاب، فقد سمعك أصحابك تقول: لو ظُلم رجل بالكوفة فأنا الذي ظلمته. وها هم الأطفال يقتلون في جنين بينما يبدو أن الرئيس عرفات يتأهب للحوار من أجل السلام مع شريكه شارون المعترف به كشريك لأنه «منتخب» من قبل الشعب الاسرائيلي. طيب. هذا كلام حضاري ودبلوماسي، لكن ما قول الرئيس عرفات في تصريح كوندوليزا رايس التي قالت يوم الأحد الماضي بأن ياسر عرفات غير مؤهل لرئاسة السلطة ولا السلطة مؤهلة لقيادة الشعب الفلسطيني؟ فها هي أمريكا بطم طميمها تعلن عرفات خارج اللعبة وفي منطقة التسلل وغير جدير حتى باستقباله في البيت الأبيض، كما قال الناطق باسم هذا البيت مضيفا للتأكيد بأن أبواب البيت موصدة أمام عرفات! فليضاعف أبو عمار الجهد بعد تسليم المناضلين الكريمين أحمد سعدات زعيم الجبهة الشعبية وفؤاد الشوبكي العميد في الجيش الفلسطيني «المتهم» بقضية الباخرة المشحونة بالسلاح، وكذلك الشباب الأربعة «المتهمون» بتصفية أحد غلاة الصهاينة وزير السياحة الاسرائيلي. ولكن كيف سيضاعف الجهد وهو يجلس على أنقاض جنين ونابلس والخليل وطولكرم وبيت لحم؟ فإسرائيل أجهضت مشروع ارسال لجنة تقصي الحقائق وكان رد الفعل الأممي ... الغريب هو حل اللجنة بعد تشكيلها ... أما العقوبات المنصوص عليها في وثائق تأسيس مجلس الأمن لردع كل دولة صعلوكة تخرج على الطاعة الأممية.. فهي فقط صالحة للعراق ولصربيا ... أما اسرائيل فهي التي يجب أن تقرر القرار الأممي وتصوغه كما يبدو لها وتسقطه إذا لم يعجبها، وإلا ... فعصا الفيتو الأمريكي مرفوعة لضرب رؤوس العرب والذين خلفوهم. يا لها من أوضاع مضحكة مبكية تراكمت فيها أخطاؤنا وحساباتنا الخاسرة ورؤانا القصيرة وأمزجتنا المعكرة وقد وظفها الأعداء ضدنا على مدى خمسين عاما. وعلى هذا المشهد يأتي بيان الكونجرس الأمريكي مهللا لاسرائيل وحقها المشروع في قتل فاطمة وباسل وعبير. إنني أحسب والله أعلم بأن في الأفق بشائر نصر مؤزر، حينما تصحو الضمائر ويستلهم المقاومون المجاهدون من رمز جنين ما يشحذ عزائمهم على الصبر والكفاح دون انتظار ما لا يأتي. إن ملحمة جنين لا يجب أن تغطيها مأساة جنين. وان الرمز الحقيقي للمقاومة الباسلة سيبقى ساطعا ... نقرأه في عيون باسل الطفل الشهيد والكلمات المبحوحة التي كان ينطق بها المناضل مروان البرغوثي وهو في أسره .. كما كان نيلسون مانديلا في سجنه. إن عيون باسل وعبير وفاطمة وكلمات مروان هي التي ترسم معالم الطريق .. طريق النصر المفروش بالدم والإيمان، والذي لا طريق سواه. ـ أستاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر