سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الوعود التي أطلقتها الادارة الامريكية بفك الحصار عن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وتمكينه من استعادة «حرية الحركة» ستفتح الباب أمام عودة الروح الى العملية السلمية التي انهارت بفعل العدوان الاسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني. فلا السياسة التي تنتهجها الحكومة الاسرائيلية والقائمة على المزيد من التوسع في الأراضي الفلسطينية يمكن ان تبرر مثل هذا التفاؤل، ولا حتى الخطاب الأمريكي المعلن، والموجه دائماً الى الطرف الفلسطيني وحده، يساعد على الخروج بأي استنتاج ايجابي. فالرئيس جورج بوش تعمّد القاء اللوم على الجانب الفلسطيني، كما وجّه اهانات سافرة الى الرئيس عرفات عندما خاطبه بقوله: «حتى تستحق احترامي، عليك ان تفعل كذا وكذا.. وأول ما يجب عليك ان تفعله هو التنديد بالنشاطات الارهابية واحباطها». تحريض الاحتلال والمحللون فهموا من تصريحات الرئيس الامريكي، التي انطوت على قدر كبير من الاستفزاز والتجريح، ان هدفها احراج الرئيس الفلسطيني وليس مساعدته على تحمل مسئولياته في مجال اعادة الهدوء الى المناطق الفلسطينية المحتلة. فهو يشكل تحريضاً واضحاً على الرئيس عرفات، وانتقاصاً مهيناً من مكانته ودوره ودوافع نضاله الطويل الى جانب شعبه. كما يمنح اسرائيل تفويضاً دائماً لاستئناف «معاقبة» الرئيس الفلسطيني إذا ما وقعت أية حوادث أمنية جديدة، سواء كانت هذه الحوادث ردود فعل مشروعة على الاعتداءات التي ترتكبها القوات الاسرائيلية والمستوطنون المسلحون، أو كانت ناشئة عن رغبة أي من التنظيمات الفلسطينية في مواصلة أسلوب النضال المسلح، بعد ان سدّت حكومة شارون كل أبواب التسوية السلمية العادلة في وجه الجميع. ووفقاً لتصريحات بوش فإن عرفات مطالب بكل شيء، ابتداء من مكافحة ما تسميه واشنطن بـ «الارهاب» وانتهاء بحمل الشعب الفلسطيني على الاستسلام للأمر الواقع وانتظار ما توافق اسرائيل على تقديمه له. أما حكومة شارون فليست مطالبة بأي شيء على الاطلاق. فالرئيس الأمريكي برّأ الحكومة الاسرائيلية من أية مسئولية عن انهيار العملية السلمية، واعتبر الاجتياجات العسكرية لمناطق السيادة الفلسطينية دفاعاً مشروعا عن النفس. وهو بذلك أصدر حكماً «مبرماً» بادانة الشعب الفلسطيني كله، ليس فيما يتعلق بالماضي القريب أو البعيد، وإنما بالنسبة للمستقبل أيضاً. وبالتالي أصبح كل ما ترتكبه الدولة العبرية من مجازر وجرائم وانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة أمراً مشروعا ومباركا مقدما من قبل الادارة الامريكية. فالرئيس الامريكي لا يكتفي بتبييض صفحة اسرائيل في شأن كل ما اقترفته على مدى نصف القرن الماضي، بل هو يصادر المستقبل ايضا لحسابها، فيعتبر ان كل ما ستقوم به لاحقا مبرر ولا يخضع لأية مساءلة أو محاسبة من أية جهة دولية. الضغط.. ثم الضغط ما هي النتائج التي يمكن ان تترتب على هذا النوع من التدخل الامريكي الذي يحدث وكأنه استجابة للمناشدات والتوسلات العربية والدولية؟ وكيف سينعكس ذلك على مهمة الرئيس الفلسطيني بعدما وافقت الحكومة الاسرائيلية في نهاية الأمر على اطلاق سراحه والسماح له بممارسة مهماته وفقاً للشروط المحددة. النتيجة الأولى التي أسفر عنها «الحسم الأمريكي» هي منح اسرائيل بطاقة مفتوحة لتفعل ما تريد، والحكومة الاسرائيلية لم تتردد في استخدام هذه البطاقة الامريكية، إذ سارعت الى اجهاض مهمة «لجنة تقصي الحقائق» الدولية التي شكلها مجلس الأمن لمعرفة حقيقة ما حدث في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين، وذلك برفض استقبال اللجنة نفسها ومنعها من مباشرة أعمالها، على الرغم من كل التطمينات التي صدرت عن الأمين العام للأمم المتحدة بأنه لن يترتب على مهمة اللجنة أية مساءلة لاسرائيل بشأن ما ارتكبته من مجازر في هذا المخيم، لا الآن ولا في المستقبل. كذلك فإن حكومة شارون دفعت بقواتها الى اقتحام مدينة الخليل وأعادت احتلال الأجزاء التي كانت تخضع للسيطرة الأمنية الفلسطينية. كما رفضت المساعي، كل المساعي، الرامية الى وضع حد لحصار كنيسة المهد وللمأساة الانسانية التي تتمثل باحتجاز وتجويع عشرات المدنيين ورجال الدين المختبئين في داخلها. وفوق كل هذا فإن قواتها تغير يومياً على القرى الفلسطينية فتقتل وتعتقل من تشاء من ابنائها وتدمّر البيوت على أصحابها تحت ذريعة مطاردة «الارهابيين» المطلوبين. أما حصار مقر الرئيس الفلسطيني نفسه فظل أياماً عديدة ورقة للمساومة والابتزاز، برغم إعلان الرئيس الامريكي ان عرفات بات «حراً طليقاً» وهو ما يعني أحد أمرين: إما ان ما يقوله الرئيس بوش وما يعد به لا يعدو ان يكون مجرد مسرحية تنطبق عليها كل مواصفات المهزلة، وإما ان اسرائيل باتت في وضع من يتحدى الارادة الامريكية ويرفض مطالب البيت الابيض، أو بالأحرى توسلاته. وفي كلا الحالين فإن النتيجة المحققة، امريكياً واسرائيلياً، هي ممارسة مزيد من الضغوط على الرئيس الفلسطيني لجعل مسألة «استعادة حريته» مرتبطة بشروط تعجيزية لا يستطيع عرفات الاستجابة لها، لأنها ـ بكل بساطة ـ من النوع الذي يستحيل تنفيذه. احترام الرئيس! ما هو المطلوب من الرئيس الفلسطيني، أمريكياً واسرائيلياً، حتى يستحق احترام الرئيس بوش، بحسب تصريحات الأخير؟ المهمة الأولى التي تنتظر الرئيس عرفات (تحت عنوان مكافحة الارهاب) هو مواجهة منظمات المقاومة الوطنية في قطاع غزة والتنكيل بها على غرار ما فعلته قوات أرييل شارون في مناطق الضفة الغربية. وإذا ما أعلن عرفات رفضه لهذه المهمة، أو تلكأ في تنفيذها وفقاً للرغبات الاسرائيلية ـ الامريكية المشتركة، سيتم الإعلان عن فشله في القيام بواجباته المحددة، وبالتالي اتخاذ اجراءات عقابية جديدة ضده تمس حريته، وربما وجوده في الأراضي الفلسطينية كلها. والحكومة الاسرائيلية لم تخف نيتها عندما أعلن شارون قبل أيام قليلة ان عرفات سيخضع للاختبار في قطاع غزة لمعرفة مدى قدرته على مكافحة الارهاب. ومع ان شارون يحاول اخراج عرفات من الضفة الغربية المحتلة نهائيا، كهدف مرحلي، إلا انه يريد ان يضعه في مواجهة شعبه، سواء في قطاع غزة أو في أي مكان آخر تتبدى فيه الارادة الشعبية المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، وذلك امعانا في اذلاله وتشويه صورته المعنوية والغاء تاريخه النضالي الطويل. فالادارة الامريكية واسرائيل، كلاهما، تريدان ان تجعلا من عرفات قاتلاً لشعبه أو سجّاناً له في أحسن الأحوال. وبهذا فقط يصبح الرئيس الفلسطيني جديراً باحترام الرئيس الامريكي ومستحقاً لرضاه!! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا