اذا كان متاحا لاسرائيل ان ترفض علنا الانصياع لقرار صادر عن مجلس الامن الدولي دون ان يطالها عقاب او حتى مجرد إدانة لفظية، فلماذا تطبق قرارات المجلس على العراق ولمدى 11 عاما؟ بل ولماذا لا تطالب الدول العربية بالغاء القرارات الدولية المفروضة على العراق الشقيق اذا كانت الشرعية الدولية لم تعد ذات اعتبار؟ قبل اسبوع او اكثر اجاز مجلس الامن الدولي قرارا يقضي بانشاء لجنة دولية للاضطلاع بمهمة لتقصي الحقائق في كارثة مخيم جنين في الضفة الغربية، وعلى الفور شرعت الحكومة الاسرائيلية في مسلسل من المماطلات انتهى الى رفض كامل وحاسم.وصيغة القرار النهائية نفسها مخففة بالمقارنة مع الصيغة الاولية المقترحة التي تتحدث عن «تحقيق».. لا مجرد «تقصي» وطوال مشوار المماطلة ثم الرفض النهائي ظلت الولايات المتحدة واقفة الى جانب اسرائيل ضد اجماع عربي يسنده بعض التأييد الدولي. ولم ينل اسرائيل اي عقاب بل عوضا عن انصياعها والسماح للجنة الدولية بالدخول ومباشرة مهمتها، انصاع الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان للموقف الاسرائيلي المتصلب فعمد الى حل اللجنة.وبينما كانت اصداء الرفض الاسرائيلي العلني للقرار الدولي تتردد، دخل الامين العام في جولة تفاوضية مع وزير الخارجية العراقي (مقررة سلفا) وفي الجلسات التي استمرت يومين ظل الامين العام يكرر على اسماع الوزير العراقي ووفده ان الشرعية الدولية لا تقبل مساومة وهذا التحذير نفسه ظل يصدر من واشنطن بكلمات او اخرى دعما لموقف الامين العام للامم المتحدة. واذا كان موقف الامم المتحدة على هذا النحو، مسنودا من الولايات المتحدة يبدو غريبا بالمقارنة مع موقف مجلس الامن الدولي المتخاذل تجاه اسرائيل قبل بضعة ايام فقط من اجتماع الامين العام مع الوزير العراقي فان الاغرب هو اصرار الدول العربية على «قدسية» الشرعية الدولية عندما يتعلق الامر بدولة عربية اخرى شقيقة.اما اذا استدعينا الماضي القريب فان المقارنة لا تثير الا المزيد من الاشمئزاز المضاعف. ولنفترض جدلا ان الاحتلال العراقي للكويت في عام 1990 معادل للاحتلال الاسرائيلي للاراضى الفلسطينية فلماذا لم تعمد الولايات المتحدة الى انشاء «تحالف دولي» لغزو اسرائيل من اجل حملها على وضع نهاية لاحتلالها كما حصل مع العراق؟ ولماذا لا تطالب الدول العربية واشنطن الآن بترتيب مثل هذا التحالف ضد اسرائيل؟ لقد بقي الاحتلال العراقي للارض الكويتية لمدة بضعة شهور قبل ان تنقض قوات «الائتلاف الدولي» في يناير 1991 بقيادة الولايات المتحدة ومساندة عربية. وبعد بضعة اسابيع في الخامس من يونيو يكمل الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية واراض عربية اخرى عامه الخامس والثلاثين. ومنذ دخول القوات العراقية ارض الكويت في اغسطس 1990 اعلنت الولايات المتحدة حالة طواريء عالمية كانت بدايتها سلسلة اجتماعات استثنائية لمجلس الامن الدولي اجازت حزمة من مشروعات قرارات امريكية الصياغة تفرض عقوبات شاملة وقاسية على العراق وكانت ذروتها فتح ابواب الجحيم على العراق من الجو والبر والبر.والآن نرى حصيلة المشهد المخزي: مجلس الامن الدولي تحت قيادة الادارة الامريكية يستأسد على دولة عربية بعد 11 عاما من استمرار نظام العقوبات القاسية ليتواصل تطبيق العقوبات الى اجل غير مسمى باسم «احترام الشرعية الدولية»، ومجلس الامن نفسه يتجاهل ما اتخذه من قرارات بنفسه تطالب اسرائيل بالجلاء عن الاراضي العربية المحتلة رغم مرور نحو 35 عاما على صدور هذه القرارات. واكثر من ذلك تتحدى اسرائيل قرارا جديدا، ومع ذلك لا ينطبق عليها مبدأ «احترام الشرعية الدولية». والسؤال الذي يطرح هو: لماذا تقبل الدول العربية بهذه الازدواجية المهينة؟ ان من «المفهوم» ان تنتصر واشنطن للشرعية الدولية عندما يتعلق الامر بمعاقبة العراق وتتجاهل هذه الشرعية تماما عندما يتعلق الامر بحمل اسرائيل على الانصياع لها، هذه هي لعبة الامم والمصالح لكننا نتساءل من منطلق قواعد اللعبة نفسها: لماذا لا تمارس الدول العربية اللعبة من منظور مناصرة دولة عربية شقيقة، مادامت «الشرعية الدولية» ليست جديرة باسمها؟