تتعقد السياسة التي نشاهدها في كل ما يحيط بنا ويمكن الاستنتاج بانه في الاحداث الاخيرة التي عصفت في فلسطين تأكيد جديد لمركزية القضية الفلسطينية. فبين زيارة الامير عبدالله الى الولايات المتحدة والاستعداد السعودي للعب دور اكبر وجاد، في عملية سلام ممكنة وبين القتال الفلسطيني الاسطوري في فلسطين وبين الشارع العربي الغاضب، وبين مقدرة شارون للتمرد على الادارة الامريكية في حدود محددة، والاصرار الامريكي على متابعة الحرب على الارهاب في اطارها الاوسع تقع معادلات جديدة علينا ان نقرأ بعضا منها. المعادلة الاولي: لقد وضح للادارة الامريكية الآن ان التحرك باتجاه القضية الفلسطينية امر لا مفر منه وان الحرب الاخيرة بين الفلسطينيين واسرائيل تتطلب تحركا ينصف الفلسطينيين ويساهم في اعادة اعمار ما دمرته اسرائيل فهذه هي الحرب الخامسة بين الفلسطينيين والاسرائيليين وبلا علاج وتسوية عادلة فسوف تقع الحرب السادسة والسابعة وكما يؤكد لنا التاريخ فالحرب الاولى بين الفلسطينيين والحركة الصهيونية وقعت عام 1936 ـ 1939، وكانت تلك حربا اسطورية سيطر فيها الشعب الفلسطيني على 80 بالمئة من فلسطين قبل ان يتراجع امام ضربات وهجمات بريطانية حاسمة، اما الحرب الثانية فكانت عام 1948 وانتهت بسيطرة اسرائيل على معظم فلسطين وتهجير معظم اهلها وهزيمة الدول العربية والثالثة في لبنان مع شارون عام 1982 والتي نتج عنها مجازر صبرا وشاتيلا اما الحرب الرابعة فهي الانتفاضة الفلسطينية الاولى عام 1987 والتي ادت لمئات الشهداء والخامسة التي بدأت مع الانتفاضة الاخيرة عام 2000 والتي وصلت اوجها في المواجهات الاخيرة في مدن وقرى الضفة الغربية ويتضح للادارة الامريكية ايضا بان الساحة الفلسطينية تعيش مرحلة افرازات جديدة بين دعاة السلام ودعاة المواجهة وان هذه الافرازات في جانب منها تعكس صعود قوة الرئيس الفلسطيني بالرغم من الدمار الكبير الذي لحق بالسلطة الفلسطينية ومؤسساتها. وبالرغم من جميع الموشرات التي تؤكد معارضة شارون لاية ضغوط امريكية قادمة الا الساحة السياسية الاسرائيلية تعيش تخبطا ملحوظا فالرأي العام الاسرائيلي يؤيد شارون بقوة ولكنه بنفس الوقت يريد امنا بعيد الامد وهذا الامن غير ممكن بلا حل سياسي متوازن وعادل والرأي العام الاسرائيلي بعد موجة العمليات الاستشهادية الفلسطينية وبعد حرب كبيرة في الضفة الغربية، يعرف غريزيا ان موجة العنف الفلسطينية القادمة سوف تكون اشد من السابقة، وذلك في ظل غياب حل سياسي يسمح للشعب الفلسطيني ببناء دولته وتحقيق مستقبله لهذا فمشكلة شارون الكبرى هي في مدى استعداده للسير نحو تسوية واضحة وعادلة. ان فشل شارون في هذا المجال سوف يعني مجيء بيبي نتانياهو في الانتخابات القادمة وهذا ما سيحاول شارون تفاديه على جميع الاصعدة وفي هذا تقع ازمته الراهنة. اما المعادلة الثانية فمرتبطة بعودة الحديث الامريكي حول العراق اذ يبدو للمراقب ان العراق سوف يكون تلك القطعة الرئيسية التي ترضى طرفا كبيرا في الساحة الامريكية فان كان الضغط على شارون لتقديم مساومات سياسية لا يرضى العديد من الاطراف في الساحة الامريكية ويرضى دعاة الحل السلمي امريكيا ويرضي قطاعا كبيرا من دول العالم العربي، ويحيد اطرافا عديدة فان الذهاب الى العراق يرضى جميع اطروحات المؤسسة الدفاعية الامريكية، كما ويرضى جميع القوى الامريكية وغير الامريكية التي ترى في مواجهة النظام العراقي احد اهم معادلات الشرق الاوسط وبالرغم من نفي البيت الابيض لما جاء في مقال النيويورك تايمز هذا الاسبوع الا ان مستوى ما يقال ويطرح مقرونا بعمق المواجهة بين العراق والولايات المتحدة يعود ثانية ويطرح امكانية الحل العسكري للمسألة العراقية. ويبقى السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة اعلان انتصارها في الحرب على الارهاب بينما يعلن الرئيس العراقي انتصاره على الولايات المتحدة؟ هذا السؤال يعود ويثير الاجواء الامريكية ويدفع باتجاه المواجهة بين الدولتين ولكن ماذا لو قبل العراق بعودة فرق التفتيش بلا شروط؟ قد يكون القبول العراقي بفرق التفتيش المدخل لتغير المعادلة وتأخير او تفويت افاق العمل العسكري؟ وقد يكون الرفض العراقي ذاته هو المدخل لحشد امريكي وبداية تحالف اوسع موجه ضد العراق. في هذا المجال تقع ارضية كبيرة للدبلوماسية الدولية وفي هذا يقع سباق مع الزمن بين الاحتمالات المختلفة. ان المعادلتين: القضية الفلسطينية اولا مع الضغط على شارون لضبط وقيعته والعراق ثانيا يشكلان سويا اساس المعادلات الجديدة في السياسة الامريكية. قبل غزو اسرائيل لفلسطين واندلاع المواجهات في الضفة الغربية كانت المعادلة بالمقلوب: العراق اولا وفلسطين ثانيا: اما الآن فقد تحول الوضع نحو القضية الفلسطينية اولا. السؤال الكبير: ماهو دور العرب في كل ما يجرى؟ فالدور تجاه القضية الفلسطينية يتطلب تقوية للموقف الفلسطيني بحيث يحقق شروطا افضل على طاولة العمل الدبلوماسي، وبحيث لا يكون الاستفراد الاسرائيلي فرصة للتراجع عن ثوابت فلسطينية تاريخية في هذا الاطار هناك الكثير مما يستطيع العرب عمله اما بالنسبة للمسألة العراقية: فان قبول العراق لفرق التفتيش قد يؤجل ويغير من المعادلات المؤثرة على العراق والمنطقة المحيطة به. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية جامعة الكويت