وهكذا فعلها الرئيس الفرنسي شيراك، وعاد إلى السلطة رئيسا لفرنسا، راكبا حصانه رافعا سيفه، حاصلا على أكبر نسبة من الأصوات لم يحصل على مثلها أي رئيس فرنسي في تاريخ فرنسا من قبل. لقد انتفض الفرنسيون واحتشدوا في الانتخابات الفرنسية الأخيرة، واستبد بهم الرعب من احتمال ضعيف أن ينجح منافس شيراك بضربة حظ، وكان شعارهم المرفوع: لا يهمنا فوز شيراك، المهم هو حجم الأصوات التي سيحصل عليها منافسه. إن الشعب الفرنسي لن تعرف عيونه طعم الندم إلا إذا أكدت نتيجة الانتخابات أن هذه الظاهرة التي يحتلها لوبان قد تم القضاء عليها نهائيا. لقد أعاد فوزه في المرحلة الأولى إلى ذاكرة الفرنسيين كل الصور المؤلمة التي عانوا منها في الحرب العالمية الثانية، إن لوبان هو جزء من الحركة الفاشية الأوروبية التي أنجبت هتلر وموسوليني وفرانكو. إنه يردد الدعاوي نفسها ويطرح الشعارات نفسها ويؤمن بالنظريات نفسها وأين؟ في باريس مدينة النور والحرية وعاصمة ديجول وملهمة طابور طويل من المبدعين والمفكرين والأدباء الذين أضاءوا العالم كله بومضات عقولهم ومشاعر أفكارهم وهل يسمح الفرنسيون للمرشح لوبان بأن يأتي في آخر الزمان للبصق على تراثهم والدوس بالأحذية على تاريخهم؟ إنها مأساة، ولن يمر لوبان إلا على جثث الغالبية العظمى من شعب فرنسا وهكذا في لحظة تاريخية باهرة احتشد الجميع خلف شيراك، الشيوعي والاشتراكي والديجولي والذي يعبد الله والذي يعبد الطبيعة وكان الهدف هو تحجيم ظاهرة لوبان والقضاء عليها مرة واحدة وإلى الأبد وكان هناك إصرار من جانب الفرنسيين على عدم حصول لوبان على صوت واحد زيادة فوق الأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى، وقد حققوا هدفهم بالتمام والكمال، حاصر الشعب الفرنسي ظاهرة لوبان فخرج لوبان من مولد الانتخابات بلا حمص، وهدأت أعصاب الشعب الفرنسي وهدأت أعصاب أوروبا كلها، وعاد جاك شيراك ليقود الدولة الفرنسية راكبا حصانه رافعا سيفه حاصلا على ثقة الشعب الفرنسي كاملة. الإنجليز أيضا أزعجهم فوز لوبان في الجولة الأولى، وأزعجهم أكثر فوز ثلاثة أعضاء في حزب الجبهة الوطنية في انتخابات المحليات، وهو حزب نازي يقوم أفراده باغتيال المهاجرين من آسيا ومن البحر الكاريبي، ووقفت أجهزة الاعلام الإنجليزية وقفة تضامن حقيقي مع الشعب الفرنسي في معركته ضد لوبان وهنأ الإنجليز أنفسهم بعد سقوطه المزري وفوز شيراك الساحق. إن الذي حقق الفوز في الحقيقة هو أوروبا كلها. أوروبا التي ذاقت الويلات على يد الحزب النازي الألماني والحزب الفاشي الإيطالي. وثبت من نتائج الإنتخابات الفرنسية أن أوروبا حذرة ويقظة أيضا ولن تسمح لهذه الآفات السياسية بالظهور مرة أخرى على سطح الحياة السياسية في أوروبا.وبعد ظهور نتيجة الانتخابات الفرنسية بدقائق، استقال جوسبان رئيس الوزراء الفرنسي السابق، الذي كان ينافس شيراك على منصب رئيس الجمهورية. وتصورت أنه استقال ليستعد بشكل أفضل لدعم حزبه الاشتراكي في الانتخابات البرلمانية في يوليو القادم ولكني فوجئت باستقالته، وبانسحابه في الوقت نفسه من الحياة السياسية كلها، والاستمتاع بزراعة مزرعته في الريف الفرنسي الهادئ إنه درس آخر من أوروبا لنا نحن الذين نعيش في الشرق الأوسط فمن يفشل في المعركة الانتخابية ينسحب ليس من العملية الانتخابية، ولكن من العملية السياسية كلها.