في فرنسا، هناك صوت يبدو عالياً هذه الايام ضد كل ما يمت للأمركة أو ما يسميه الفرنسيون بـ «TOTALITAIR» أو السيطرة الكاملة الشمولية على العالم من قبل السياسة الامريكية، ولسنا وحدنا في الامارات ، من صرخ يوم السبت الماضي لمقاطعة البضائع الامريكية كنوع من الضغط الشعبي العام على الولايات المتحدة الامريكية للحد من انحيازها لاسرائيل، فأمام احد متاجر «مارك اند سبنسر» في وسط مدينة كامبردج وأمام أعرق الجامعات البريطانية وقفت مجموعة من الناشطين السياسيين الانجليز للاحتجاج على هذا المتجر الشهير لا بسبب جذوره اليهودية، ولكن للتعبير عن موقفهم الرافض للسياسة الاسرائيلية في فلسطين. كانت المجموعة تصرخ بما يصرخ به كل الناس في كل مكان من العالم .. (أوقفوا القتل، أوقفوا الجرائم، اسرائيل لابد ان تخرج من فلسطين) موزعة منشوراً مضاداً يحوي بالأرقام والمعلومات الدقيقة ومن مصادر اسرائيلية علاقة المتجر بالاقتصاد الاسرائيلي، مع صور مختلفة لمشهد مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة مذيّلة بعبارة: قاطعوا من يساعد في قتل الاطفال، فأموالكم تتحول الى رصاص وقنابل تحصد الأبرياء!! أقول لسنا وحدنا كعرب ومسلمين من يعاني ويكره الغطرسة والهيمنة والأمركة، فهناك صوت واضح الدلالة اليوم في أوروبا يقول بصراحة انه لابد من اعادة النظر في الاتفاقيات والمؤسسات الكبرى التي اصطنعتها الولايات المتحدة الامريكية لتسيطر من خلالها على العالم مثل: حلف الاطلسي، صندوق النقد الدولي، الدولار، البنك الدولي، الشركات العابرة للقارات، اضافة الى جهاز الاستخبارات المركزية .. والقائمة تطول!! ويبقى السؤال على من تقع مسئولية التصحيح والتصدي واعادة النظر؟ في كتابه «الولايات المتحدة الامريكية والعالم، الى أين؟» يؤكد الفرنسي ميشال موردان بأن «الوعي هو الشرط اللازم والأول لمواجهة هذه الهيمنة الشمولية الامريكية على العالم، ذلك انه لا يمكن مقاومة من يملي عليك قانونه وشروطه، إلا اذا ادركت القوة الكامنة فيك، وهنا تتجلّى القيمة العميقة للديمقراطية»، حيث يكمن المعنى العميق للديمقراطية في إرادة فهم العالم، وإرادة العمل معاً للصالح العام، وذلك كله لا يكون إلا من خلال تأمل الواقع والحقائق المحيطة، والتأمل لا تحفّزه إلا التربية، وهنا يأتي دور المدرسة الحقيقي!! ان جيل الشباب اللاهث وراء الانموذج الامريكي لابد من ايقاف لهاثه وانبهاره، حيث ان هؤلاء الشباب لا يرون في هذا الانموذج سوى الشكل الخارجي الذي لا يخلو من جماليات، لكنهم لا يدركون اخطاره لان احداً لا يقولها لهم بشكل مقنع وعلمي يتناسب مع توجهاتهم وثقافتهم. وعليه، فإن الدعوات التي تبنت على مدى زمن طويل عملية تقويم المناهج واصلاح نظام التربية والبنية المدرسية كانت في الحقيقة دعوات مخلصة نابعة من حسّ حقيقي وقراءة دقيقة للمشهد العام، وللمخاطر المحدقة بالأمة وبالعالم، لكن على ما يبدو فإن بعض المسئولين عن أمور التربية والتعليم عندنا لا يقرأون جيداً في السياسة وتاريخ الحضارات وردات افعال الشعوب، ومواقفها ومحاولات إصلاح البنية التربوية التعليمية في كل مكان من العالم. إن المدرسة هي المفتاح الحقيقي لكل تغيير، ولكل وعي نأمل فيه ولابد لها هي أولاً ان تتغّير، فالمدرسة التي خرّجت أجيال الستينيات والسبعينيات لا ينبغي ان تبقى على ما هي عليه، وهي تتعامل اليوم مع جيل القرن الحادي والعشرين، وما بعد زلزال 11 سبتمبر وتوابعه، ان المدرسة والكتاب والمناهج والمعلمين لابدّ ان تشملهم جميعاً عملية التغيير، هذا إذا أردنا تكوين أفراد مثقفين واضحين وواعين لما يحدث حولهم. على المدرسة ان تحوّل القضية السياسية الى قضية حياتية يومية، وأن تعلّم الجيل كيف يكون ردّهم على من يعمل على إخضاعهم تحت رايته وإرادته، وبأن يكون ردهم واضحاً .. رفض شراء منتوجات دولة تقتلنا وتدّعي صداقتنا بوقاحة، تسحق ارادة الشعوب في كل مكان وتنادي بحقوق الإنسان بلا أدنى خجل، فإذاً، لنرفض التعامل معها، لنعترض على سياستها في الشارع والمنزل والمكتب، فللشعوب إرادة يجب ان تحترم في نهاية المطاف، برغم أخطبوط الشركات العابرة للقارات او ترسانة الأسلحة العابرة للمحيطات، والرصاص المحرّم دولياً العابر للأجساد العربية في فلسطين. «قاطعوا البضائع الامريكية» حركة شعبية ستسود العالم يوماً، فلنعمل على دفعها إلى الأمام!!