ما الخلل الذي أصاب حضارة الاسلام في مقتل، والمستمر في مفعوله السلبي نحو الانحدار الى يومنا هذا، ولم تجد معه عمليات الترقيع والتلميع التي تمارس على كل المستويات؟ فمحاولات اثبات هذا البعد الحضاري تصاب بالفشل لان التجارب المعاصرة والمبتورة من أصل الشجرة لا تصمد أمام الحقائق التي بتجاهلها يعود الانهيار الى مكانه الطبيعي، مهما كانت المظاهر الاسلامية خلابة والكلمات المستخدمة في المناسبات الرسمية رنانة وطنانة فحضارة الاسلام يقوم بنيانها على الفعل المؤثر أكثر من القول الطاير في الهواء ما له من قرار. ليس قديما، بل حديثا جدا، حلل هذه الظاهرة المنكوسة في حياة الأمة الاسلامية، عالم الاجتماع الذي بهر الغرب بتحليلاته للظاهرة الحضارية والانسانية، المفكر مالك بن نبي الذي وضع معادلة الرياضة الاجتماعية في بناء الحضارات في ثلاث كلمات مختصرات، لا تحتاج الى خطب للشرح والتفصيل. فنظريته في معادلته المشهورة تقول بأن الحضارة، أي حضارة في الكون تبنى أسسها وفق المعادلة التالية: الحضارة = الإنسان + الزمان أو الوقت + الأرض أو المكان والتراب. فأي خلل في عناصر هذه المعادلة، يعني الانحطاط أو الانهيار أو السقوط الى الهاوية ولو بعد حين، لان الحضارات الرائدة لا تسقط في لحظة، لان المرض الذي تصاب به شأنه، شأن السرطان الكامن في الجسم، فعند أول فحص أو تشخيص يبدأ الإنسان بتسليم نفسه للباري مع السعي نحو العلاج الذي يعد ضمن اتخاذ الأسباب مع صعوبة استئصال هذا المرض دون التضحية بالكثير. فالعلة التي أسقطت حضارة الاسلام من علٍ ليست في الوقت والارض وانما فيما هو اهم من كل ذلك، ألا وهو الانسان الذي هدم بنيانه الداخلي قبل أن يتم هدم الحضارة التي قام هو ببنائها من فكره وعقله واجتهاده وابداعاته واختراعاته، فعندما اصبح هو ضحية ذلك كله انهارت الحضارة على رأسه وعلى الآخرين الذين كانوا يتطلعون نحوها بكل فخر واعتزاز. فالإنسان في العالم العربي والاسلامي هو الممنوع من الصرف والاعراب عما يجول في فكره ونفسه وخاطره بحرية تامة لذا نحن نعيش الانبهار عندما يتفوه الغربي كلمة حق عند سلطان جائر عبر قباب البرلمانات ووسائل الاعلام المتعددة دون ان يصاب بأذى، فإذا حصل شيء من ذلك فإن منظمات حقوق الانسان تقيم القيامة على رؤوس الدول فترضخ للحق والعدل وهما ميزانا الحضارة السوية. في الوقت الذي يتم اعتقال ألسنة وعقول دعاة حقوق الانسان في عالمنا العربي والاسلامي أو على الاقل يتم تدجينهم بطريقة حريرية راقية التأثير. الانسان هو حجر الاساس في بنيان الحضارة الاسلامية، فهو الذي انهار أولا في كل الفترات التي سادت فيها الحضارة بهذا المفهوم الى ان بادت أمام صعود الحضارات الاخرى سواء كانت أوروبية أو أمريكية أو آسيوية، حتى لا نصاب بالغرور من ثراء عناصر حضارتنا السالفة، يجب القيام بعمل يبهر الغرب ويعيد انظاره الينا ليس عن طريق تفجير برج هنا أو هناك، بل عن طريق اعادة خطوط الانتاج الحضاري الى مواقعها وإلا فالنتيجة هي هي لقرون مقبلة.