السؤال الذي يجب على العرب والمسلمين، حكومات ومؤسسات وأفرادا، الاجابة عليه هو هل الاسلام الذي يحملونه اليوم قادر على تأسيس دولة حديثة ومعاصرة في كافة انظمتها الداخلية والخارجية؟ اذا كانت الاجابة من قبل الجميع بالايجاب، فلابد من تحمل الكثير من الصعاب والتخلي عن الشماعات التي تمتدح فعل الماضي وتذم افعال الحاضر والمستقبل. والجواب الذي يستحضرني ويعتمد على أساسيات العمل في المختبرات العلمية في دور العلم والمعرفة، هو ان التجربة الناجحة والسليمة او القائمة على النظريات القابلة للتكرار. والحضارة الاسلامية جزء من هذه التجارب التي اثبتت صحتها لقرون عديدة، فقد قامت حضارات باسم الاسلام، ساهمت في ذلك الزمن بصورها المتعددة، بانتاج غزير في العلوم والتقنيات والسياسة والآداب والفنون والثقافة بكل معالمها الضاربة في اطناب التاريخ، فهي لم تنم في جزيرة معزولة فقد اخذت من الفرس والروم والصين والهند واليونان وغيرها كل شيء بلا تحفظ، ثم اضافت عليه نكهتها الخاصة التي اخرجت هؤلاء القوم من ديارهم للسفر والسياحة الى بلاد الاسلام لرؤية نتاجات ذلك العمل الجبار ونقل هذا النموذج الحي الجديد الى هناك حيث كانت حضارة ولكنها اختفت بفعل عملية النحت في التاريخ وليس في الجيولوجيا. لدينا تراث عريق بروائحه العبقة ولكنه لم يفعّل ولم يترك له مجال للغربلة ومن ثم الانطلاق نحو الآخر في الغرب والشرق بكل اتجاهاتهما فلا توجد دولة نموذجية تمثل الوجه الحقيقي، فالسودان وايران ليستا تلك لأنهما قامتا على أنهار من الدماء والثارات وقطع الألسن والرقاب فحل البوليس محل بوليصات التأمين على حياة الناس أولا من شر زوار الغجر بكل مستوياتهم. هل سمعنا في أوروبا وأمريكا عن نماذج لهؤلاء الزوار الذين يخطفون حياة الناس اشد من اختطاف الموت المفاجيء لهم، رغم ان ما يحدث اليوم اقرب الى نموذج زوار الغجر الا انهم يقومون بذلك في عز النهار لأسباب نتحمل نحن العرب والمسلمين جزءا كبيرا من المسئولية التاريخية وليست الآنية او الظرفية. نموذج جوانتانامو في كوبا، بل اشد منها موجود في العديد من البلدان العربية والاسلامية، فهل تمت هذه الى الحضارة المنشودة بشيء، فهي سوءة الغرب الظاهرة اليوم وسوءتنا التي نصرف عليها دماء قلوبنا من اجل الحرص على اخفائها. ما الذي حطم حضارة الاسلام في الاندلس؟ الصليبيون وهم جيران تلك الحضارة لاكثر من ثمانية قرون لم يروا من خلالها غير الخير العميم. فبداية الانهيار لم تكن من الخارج، فالذي قام بدك معول الهدم في تلك الحضارة الشامخة العامل الداخلي بكل جزئياته حكاما وعلماء وأفرادا، فالشعوب والحكومات ومن بينهما يتحملون مباشرة تلك الكارثة التاريخية التي جاءت على رأس الاسلام كحضارة وليس كدين. وهناك من غصن الاندلس الرطيب نموذجان صارخان للاضطهاد والقهر تعرض لهما عالمان جليلان معروفان لدى الغرب اكثر من الشرق، الاول العلامة ابن حزم صاحب «المحلى» في الفقه الذي وصم مذهبه بالظاهرية فطورد لسنوات عجزت عن الفت في عضده وأحرقت مؤلفاته وكتبه وأفكاره، كما احرق الكنائس في أوروبا علماء الافكار التنويرية. والثاني لسان الدين ابن الخطيب صاحب الكتاب الشهير «غصن الاندلس» في التاريخ فقد استصدر الحكام في ذلك الزمن الكئيب فتوى من علماء السلاطين بجواز حرقه في سجنه وقد كان شاهد العصر على ذلك الفعل المشين العلامة صاحب «المقدمة» المشهورة ابن خلدون... والامثلة على ذلك كثيرة ولا تعد، وهي التي دكت حصون الحضارة الاسلامية من داخلها فجاء بعد ذلك دور الصليبيين في حملتهم الشرسة فأكملوا ذات المشوار الهدام.