عندما تطغى المادة على كل انماط الحياة تنسحب بهدوء شديد القيم الروحية ويبرز الخواء الديني والعاطفي عند البشر وهو ما يظهر بوضوح في علاقات اهل المجتمعات الغربية ببعضهم البعض، فلا معنى عندهم والحال هكذا لقيم أو معان ورثناها نحن في الشرق وعبر التاريخ الطويل كالرجولة والشهامة والنبل والايثار والتضحية وغيرها من المعاني الانسانية التي كانت تميز أهل الشرق عموماً عن اهل الغرب. وسر ذلك ان أهل الشرق بصفة عامة كانت تحكمهم دائما وتربطهم بشدة علاقات روحية يغلفها الدين والعقيدة، لذا فقد اصبحت القيم الاخلاقية الآن هي اكثر ما يتعرض وبشدة للانهيار وبشكل لم يحدث من قبل في تاريخ الانسانية ربما الا مرات معدودة تكاد تكون معدومة اذا ما قيست بعمر البشرية، ويبدو ان احد لوازم العولمة التي التي نعيشها الآن هي ان يتحلل العالم من المباديء والقيم والاخلاقيات واذا كانت الاجيال القديمة لم تستوعب تماماً العولمة الحديثة ولا اخلاقياتها مع وجود بعض النماذج الشاذة بالطبع إلا ان الاجيال الحديثة وخاصة تلك التي ولدت مع بداية السبعينيات واصبحت اليوم ضمن تروس آلة العولمة الجبارة قد استوعبت افكارها تماماً واصبحت تطبقها بكل حرفيتها التي ظهرت بها سواء في اوروبا أو امريكا فانقسم العالم تبعا لذلك قسمين: ـ قسم محافظ لا يستطيع ان يتخلى عن مبادئه وأخلاقياته التي جبل ونشأ عليها. ـ وقسم تخلى عن كل شيء في سبيل أي شيء، حتى ولو كان المضحى به الشرف نفسه، ذلك ان الافكار العالمية الحديثة نجحت في ان تحول الانسان الحديث الى آلة بلا عواطف أو مشاعر والفيصل في الامر عنده المصلحة الخاصة والخاصة فقط حتى لو تعارضت مع المصلحة العامة أو حتى مصلحة وأمن الوطن. وباتت مأساة اولئك المحافظين غير المتعولمين انهم يعاملون ويشعرون انهم خارج الحسابات وانهم يغردون بعيداً عن السرب الذي ينشد ويغنى على كل لون ونوع حسب ما يقوده الهوى. وفي الغرب عموما ربما لا تشعر الاجيال المختلفة بهذه الفروق خاصة فيما يتعلق بالاخلاق كما نشعر نحن بها هنا في الشرق وخاصة الشرق العربي والاسلامي أو المسيحي حيث نتشدد كثيراً أحياناً ونسبياً في بعض الاحيان لكننا لا نتسيب ابداً وهناك حدود لكل شيء، لذا فإن السقوط الاخلاقي الذي اصبحنا نلمسه خاصة من تلك الاجيال الثلاثة الاخيرة اصبح له دوي شديد يزداد رنينه مع مطلع كل شمس حتى كادت الامور ان تفلت فيتساوى الشرق بالغرب والحجة جاهزة دائما للرد على ذلك وهي ان ما يحدث انما بسبب الضغوط الاقتصادية والتي بلا شك لا تنفصل كثيراً عن الضغوط السياسية التي تمارس على الحكومات ومن ثم على الشعوب. السقوط الاخلاقي في عالمنا العربي اصبح الآن ملموساً حتى صارت مناطق تعرف بكاملها بسقوطها الاخلاقي ان لم تنسحب هذه الصفة على دول بعينها ومما لاشك فيه ان ما يساهم في هذا السقوط الاخلاقي هو ظهور هذه الانماط المغتربة التي بدأت تسيطر تماماً على حياتنا تحت مسميات الفن و«المودة» والتطور و«العصرنة»، بل حتى الطعام ونوعياته ومسمياته تم عولمتها وتحديثها لتواكب النظام العالمي الجديد، وساهم في نشر ما يحدث الآن من انحطاط خلقي وقيمي هذه الفضائيات المنتشرة في السموات العربية والتي تبث كل ما يقع تحت يدي مسئوليها دون التمييز ما بين الغث والسمين ودون اعداد المواطن العربي أو الشرقي لتلقي هذه المواد وفرزها اما بسبب جهله أو بسبب رغبة بعض الحكومات ادخاله في معمعة الهبوط الاخلاقي لينصرف عنها فلا يحاسبها ولا يراقبها. ان ما يحدث الآن في عالمنا العربي والاسلامي بل والعالم المتحفظ عموماً هو ثورة مضادة تهدف الى قلب الامور الى صالحها بمحاربة القيم والفضيلة وتغليب الملذات والشهوات على مصالح الامم والشعوب وتحويل المواطن العربي الى انسان جامد يعمل كالآلة ليحقق الرفاهية لنفسه ولا مانع لان يدوس كل من يقابله في طريقه ليصل الى مصلحته ولا مانع لان يتخلى عن كرامته وشرفه ومبادئه في سبيل هذه المصلحة.. وهذه هي الكارثة بعينها..!