لم أكن أتخيل ما رأيته في شوارع العاصمة البريطانية لندن يوم الأربعاء الماضي الأول من مايو والذي يصادف مناسبة الاحتفال العالمي بعيد المال، فالمحلات التجارية في شارع أوكسفورد الشهير وبارك لين ومنطقة ماي فيروبيكاديللي والتي تزدحم بالواجهات الزجاجية، كانت كلها مغلقة ومغطاة بالأخشاب بالكامل فيما هجر المتسوقون وسط المدينة، ولم يكن هناك سوى المتظاهرين الغاضبين على الرأسمالية والعولمة والبطالة والسياسة الأمريكية. وفيما كانت طائرات الهليكوبتر تحلق على ارتفاع منخفض وسط المدينة لرصد حشود المتظاهرين الذين قاموا في العام الماضي بالتعبير عن كراهيتهم للرأسمالية بتحطيم واجهات كافة هذه المحلات التي تمت تغطيتها هذا العام بالأخشاب، في هذا الوقت كان المئات من سائقي الدراجات يحتشدون أمام مقر السفارة الأمريكية في حي ماي فير الذي أضيفت إليه أسوار أسمنتية اضافية، يعربون عن احتجاجهم ضد الهيمنة الأمريكية والسياسة الأمريكية وموقف الولايات المتحدة من التلوث. وقد أوقفوا المرور ورفعوا دراجاتهم في الهواء احتجاجا، فيما كانت الشرطة التي بلغ عدد أفرادها في شوارع لندن في ذلك اليوم أكثر من عشرة آلاف شرطي، تسعى دائما للسيطرة على الموقف وتجنب وقوع مصادمات أو حوادث مثل التي وقعت في العام الماضي وكلفت شركات التأمين وأصحاب المحلات التجارية عشرات الملايين من الجنيهات. وما وقع في لندن وقع مثله في معظم دول العالم، وكان القاسم المشترك لدى معظم المتظاهرين لاسيما في الدول الغربية هو التعبير عن الثورة والغضب ضد النظام الرأسمالي الذي يقوم على امتصاص دماء الإنسان مقابل حياة تتفاوت في درجة تدني رفاهها من بلد إلى آخر، فالنهج الأمريكي لم يعد مقبولا حتى في أوروبا، والعولمة تسعى لمحو الهوية، والانسان الغربي أصبح يعمل ليلا ونهارا ليجد نفسه في النهاية يسدد أقساطا وفواتير وضرائب، حتى انه لا يدخر شيئا ولا يستطيع لان المجتمع تحول الى طبقتين طبقة تملك وطبقة تعمل مقابل ما تعيش به، فبطاقات الائتمان والضرائب والخدمات وارتفاع الايجارات ومستوى المعيشة وتدني الأجور وانتشار البطالة، كلها أمور حولت الإنسان الغربي في النهاية ـ وأقصد هنا الأغلبية ـ إلى انسان يكدح طوال الاسبوع حتى يوفر في نهاية الاسبوع ما يمكن أن ينفقه على نفسه ومتعه في ليلتي السبت والأحد، أما التفكير في امتلاك بيت واقامة أسرة وتحقيق استقرار اجتماعي ونفسي، فقد أصبح ذلك مشكلة عويصة تهدد معظم الدول الأوروبية وبنائها الاجتماعي، وقد لمستها بنفسي في حوارات سريعة مع شباب التقيت بهم في أكثر من دولة أوروبية خلال الاسابيع الماضية. ولأن الدول الأوروبية أصبحت تتبع السياسة الأمريكية شبرا بشبر وذراعا بذراع، فقد وصلت كراهية الولايات المتحدة إلى الأوروبيين ولم تعد قاصرة على دول العالم الثالث أو الدول الفقيرة، وكان ذلك واضحا في المسيرات المختلفة وفي الشعارات والصور. ففي لندن حمل المتظاهرون أمام السفارة الأمريكية صورة كبيرة للرئيس الأمريكي بوش وكتبوا عليها «مطلوب لارتكابه جرائم ضد الكون»، وفي زيورخ في سويسرا احتشد سبعة آلاف شخص يهتفون ضد أمريكا وسياستها وارتدى احدهم قناعا للرئيس بوش على هيئة قرد، وبرزت صوره في وسائل الاعلام العالمية بينما رسم على العلم الامريكي قذائف وصواريخ، وفي أثينا قام المحتجون اليونانيون بحرق دمية تمثل الرئيس بوش وهتفوا ضد الولايات المتحدة وسياستها. لقد تحول عيد العمال إلى مناسبة للغضب ضد الرأسمالية وقيادتها المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت سفاراتها في الدول الغربية أكثر قلقا لمسئوليها ربما من الدول الأخرى، حيث تتزايد الكراهية يوما بعد يوم في الغرب لها ولسياستها. واذا كانت الشيوعية التي حولت الانسان الى عامل سخرة وأهانت كرامته ومحت انسانيته قد انهارت من داخلها بشكل مفاجئ لانها كانت ضد فطرة الانسان.. فإلى أي مدى يمكن أن تصمد الرأسمالية وسط هذا الغضب الذي أصبح يزداد ضدها حتى في عقر دارها في الغرب؟ ـ كاتب واعلامي مصري