هل يمكن أن ينسى الرئيس عرفات تلك الوجوه الأوروبية التي شاركته وحشة الحصار في مقره نصف المدمر في رام الله على ضوء الشموع الخافت بينما الدبابات الاسرائيلية تحيط بالمكان وفوهاتها مصوبة؟ أولئك كانوا ممثلين للمنظمات الأوروبية المناهضة للعولمة الأمريكية. لكنهم لم يكونوا الاصدقاء الوحيدين للثورة الفلسطينية الذين فرزتهم عن غيرهم محنة الحصار والدمار التي عاشها الشعب الفلسطيني وقيادته. واذا كان من المفترض ان القيادة الفلسطينية عاكفة حاليا على تأمل تلك التجربة المريرة لاستخلاص ما انطوت عليه من دروس، فإن من بين أولويات عملية التمحيص اللازمة مراجعة مواقف الدول والمنظمات ابان المحنة العظيمة: من صمد مع الشعب الفلسطيني؟.. ومن وقف ضده أو انقلب عليه؟.. ومن تراخى أو تردد؟ وبذلك تستطيع القيادة الفلسطينية أن تختط لنفسها استراتيجية جديدة للعلاقات الخارجية بهدف تعظيم الأرباح وتحجيم الخسائر. على الصعيد العربي سوف تعيد القيادة الفلسطينية اكتشاف ذلك التناقض الكامل بين الأنظمة والشارع. كان هناك تخاذل يقابله غليان.. وكان هناك انصياع للولايات المتحدة يقابله تمرد جهري ضدها. ومن خلال تفاعلات هذا التناقض ثبت انه بينما تبدي القطاعات الشعبية العربية استعدادا جادا وعمليا للتضامن مع الشعب الفلسطيني يتراوح ما بين مقاطعة جماهيرية شاملة للسلع الأمريكية الى المشاركة في العمل الاستشهادي، فإن غالبية الأنظمة العربية تفضل ادارة ظهرها للفلسطينيين على اغضاب واشنطن. ومن بين المنظمات العربية والاسلامية برز على نحو خاص «حزب الله» اللبناني الذي برهن عمليا انه رفيق سلاح مستقبلي لفصائل المقاومة الفلسطينية. وربما يقال مع ذلك ان ضغوط حكومات عربية، وليس الشارع العربي، على ادارة بوش هي التي اضطرت واشنطن الى ممارسة ضغوط بدورها على حكومة ارييل شارون مما أسفر عن فك الحصار عن الرئيس عرفات. لكن عرفات لا ينبغي أن يكون مدينا لهذه الحكومات. فهي لم تشأ أن تتحرك في اتجاه الضغط على الادارة الأمريكية إلا بعد أن أدركت ان غليان الشارع المتعاظم يتهددها، وان هذا الغليان يتصاعد مع استمرار الحملة العسكرية الاسرائيلية على المدن الفلسطينية والرئيس الفلسطيني المحاصر. والدرس الذي ينبغي أن يستخلص فلسطينيا إذن هو ان المراهنة التقليدية للقيادة الفلسطينية على الانظمة العربية مراهنة خاسرة على المدى الطويل. لقد أظهرت المحنة أيضاً ان للشعب الفلسطيني وثورته رصيدا شعبيا عظيما ايضا خارج الوطن العربي والزيارات التضامنية التي قام بها ممثلو المنظمات الاوروبية غير الحكومية الى مقر عرفات المحاصر في رام الله كانت على خلفية مظاهرات متصلة نظمتها قيادات هذه المنظمات من لندن ومدريد الى فيينا عبورا بباريس وبرلين وروما. ولابد ان القيادة الفلسطينية تستذكر ان هذه الزيارات والمظاهرات التضامنية كانت مشهدا مكملاً لمشهد «مؤتمر ديربان» في جنوب افريقيا العام الماضي، عندما تبنت المنظمات العالمية غير الحكومية قرارا يدمغ الصهيونية بالعنصرية. وفي السياق الراهن رأينا يقظة شعبية جديدة تنتظم البلدان لاحياء معاداة اليهود خاصة في فرنسا وألمانيا. إن القيادة الفلسطينية سوف تستخلص الكثير من النتائج والعبر كلما توغلت في تفحص تجربة العدوان التدميري الشامل الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، إذا شاءت فعلا ان تستفيد من التجربة في اعادة رسم استراتيجيتها الخارجية. ومع تأمل التفاصيل لابد ان تكتشف ان هناك قاسما مشتركا يجمع بين الثورة الفلسطينية والشارع العربي والمنظمات الشعبية الاوروبية، ألا وهو الوقوف ضد ظاهرة العصر التي يطلق عليها الامبريالية الرأسمالية الامريكية ـ أحدث نموذج للاستعمار الحديث ـ وشراكتها التحالفية الوثيقة مع الحركة الصهيونية العالمية. أما إذا لم تشأ القيادة الفلسطينية ان تدرس التجربة بذهنية مفتوحة رغم ما حاق بشعبها من محنة بلا نظير في هذا العصر فإن الرصيد الذي كسبته قد يذهب هدراً.