بالفوز الذي حققه اول من امس الرئيس جاك شيراك منتزعا ولاية ثانية على رأس الجمهورية الفرنسية الخامسة، يصبح العرب اكثر اطمئنانا لفترة معقولة لمسارات السياسة الفرنسية، في السنوات الخمس المقبلة على الاقل. فقد اثبت شيراك في فترته السابقة، انه غير معاد للعرب بل لعله كان متفهما لقضاياهم الرئيسية: ففور انتخابه رئيسا للجمهورية قبل سبع سنوات قام بزيارة للقاهرة وبيروت والرياض، كانت جزءا من اول جولة له خارج فرنسا، وقد اقام بعدها علاقات طيبة ومتفهمة مع معظم القادة العرب، وقد قابل معظمهم بعد ذلك. قال في الثامن من ابريل 1996 في جامعة القاهرة، امام جمع من الطلاب والاساتذة والسياسيين «ان السياسة الفرنسية يجب ان توفر حيزا كبيرا للشئون العربية» وهكذا فعل في الكثير من المواقف منذ ذلك الوقت. وحتى عندما اخطأ جوسبان زعيم الاشتراكيين ورئيس الوزراء الذي لم يحالفه الحظ في الانتخابات الرئاسية الاخيرة، عندما اخطأ سياسيا بتصريح غريب، خصوصا مع سخونة مسرح الاحداث، حيث تحدث في جامعة بيرزيت، واصفا مقاتلي حزب الله اللبناني بأنهم «ارهابيون» ولم تكن كلمة الارهاب قد حملت معناها القبيح الحالي، ساعتها رجمه الطلاب بالحجارة وأثارت كلمته استياء كثيرين وقد استدعاه شيراك الى قصر الاليزيه ليوجه اليه لوما رسميا، الا ان جوسبان رفض الحضور، وتحصن في ماتنيون، مقر رئيس الوزراء الفرنسي. يجلس شيراك كما جلس معظم رؤساء الجمهورية الخامسة، التي اوجدها شارك ديجول، بين كرسيين كما يقال، فرؤساء الجمهورية في فرنسا من بومبيدو وحتى شيراك كان حكمهم يتميز بشراكة مع التجمع الآخر للاحزاب ففرانسوا ميتران الاشتراكي كان يتقاسم الحكم «الشراكي» مع يمين الوسط وكذلك جاك شيراك في السنوات السبع الاخيرة كان يتقاسم الحكم مع ائتلاف اشتراكي (على رأسه ليونيل جوسبان) وهي شراكة اثبتت في غير مناسبة انها ليست مريحة. لا شك في ان الحكم برأسين في فرنسا لفترة طويلة قد اطلق العنان لمناقشات فرنسية واسعة، هدفها اصلاح الجمهورية الخامسة، والدخول في جمهورية سادسة تجد حلا لهذه الثنائية المعضلة، في ضوء ما تمخضت عنه التجربة الطويلة في حياة الجمهورية الخامسة منذ 1958 عندما انطلقت تلك الجمهورية متفائلة على خلفية صراع محتدم داخليا، وخارجيا ابان اشتعال الثورة الجزائرية، آخر المراكز الاستعمارية الكبيرة للامبراطورية الفرنسية. التفكير في تحقيق الجمهورية السادسة، او تمني حلولها على الاقل اطلقه عاملان: الاول هو الشراكة بين تيارين مختلفين في التوجهات اليسار واليمين بالمعنى الاصطلاحي وتفرق السلطة بينهما وهو امر صاحب معظم سنوات التجربة في الجمهورية الخامسة ويتخوف من تكراره الجمهور الفرنسي اليوم فالانتخابات التشريعية المزمع اجراؤها في 9 و16 يونيو المقبل، قد تأخذ الاتجاه نفسه، بأن تأتي بأغلبية مريحة من تآلف احزاب اليسار، فيعود الامر الى الشراكة التي عانى سلبياتها الفرنسيون كثيرا والامر الثاني الذي اطلق النقاش حول هذه الاشكالية هو تقدم اليمين المتطرف بقيادة جان ماري لوبان، ففي الانقسام الحاد بين يمين الوسط ويسار الوسط يكون من الطبيعي ان تأتي الفرصة لليمين المتطرف للتأثير في العمل السياسي الفرنسي. وعلى خلفية تصاعد اللوبانية (نسبة الى لوبان) الذي يتزامن مع تصاعد تيار اليمين في معظم اوروبا، قد تتهيأ فرصة ـ في حالة عدم الرضا الاجتماعي ـ لوصول مثل هذه التيارات الى الحكم وهي ان وصلت فإن الاخطاء التي يمكن ان ترتكبها قد يصعب اصلاحها في المستقبل، ففي لعبة تداول السلطة يريد اليمين ان يخرج من الشراكة الاوروبية ويريد ان يطرد المهاجرين حتى لو كانوا مواطنين، ويريد ان يغلق ابواب فرنسا على الفرنسيين من دون جيرانها في الجنوب والشرق. ويعزلها عن العالم. وذلك التوجه قد خلق ازمة يرى البعض ان حلها لا يتأتى الا باصلاح الدستور والانتقال الى الجمهورية السادسة، لان الحل المؤقت لهذه الازمة هو ائتلاف جديد بين يمين ويسار متحد، وبالتالي ستكون مسيرتهما معطلة لبرامج الاصلاح التي تحتاج اليها فرنسا. تشير استطلاعات الرأي، فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية القادمة في فرنسا التي غصت شوارعها منذ أيام قليلة بالتظاهرات الخانقة من اليمين المتطرف الى ان ائتلاف يمين الوسط بقيادة شيراك ربما يفوز بأغلبية مريحة تعطيه فرصة تتاح لأول مرة لرئيس جمهورية فرنسي منذ الخمسينيات، بأن يقود بلاده من دون شريك والذي كان في بعض الأوقات «شريكا مخالفا» إلا ان هذا الأمر ليس مؤكدا، فقد يحمل الناخبون الفرنسيون الى السلطة التشريعية مرة أخرى ائتلاف الوسط، فيأتي رئيس حكومة لا يشارك الرئيس كل افكاره السياسية لتعود فرنسا الى الحكم برأسين، أو يحكم الرئيس وهو واقع بين كرسيين! لأول مرة في تاريخ فرنسا يرفض المرشح القائد (وهو في هذه الحالة شيراك) مقابلة منافسه الثاني «لوبان» في مناظرة تلفزيونية (على الطريقة الامريكية) وهذا الرفض تقبله الجمهور الفرنسي بترحاب وارتياح واضحين، لأن لوبان سليط اللسان، بالاضافة الى إعلانه انه سوف يأتي الى المناظرة وهو يكبل يديه بالأغلال، اشارة الى اتهامات سابقة بالفساد أطلقت على الرئيس جاك شيراك. جاك شيراك بعد انتخابه يواجه مسئولية تاريخية في فرنسا وهي عزل التطرف القادم باندفاع من اليمين، وشل أطروحاته العنصرية، وذلك بتقديم برنامج بديل، لا يعتمد على سياسات اليسار السابقة، التي يرى البعض انها قدمت السُلم الذي صعد عليه اليمين المتطرف، بل ينتهج سياسات بديلة، خاصة في قضايا الداخل. العرب في السياسة الفرنسية جاك شيراك كان في الأغلب متعاطفا مع الشئون العربية العامة، وهذا التعاطف ليس مصطلحيا فقط، لكنه ايضا ثقافي وحضاري، فإطلالة فرنسا على البحر المتوسط، وقربها الجغرافي من الشمال الافريقي العربي، وتاريخ الاحتكاك الفرنسي الفعال بالحضارة والثقافة الجنوبية جعلتها اكثر تفهما لما يجري على الجهة الجنوبية من المتوسط. وقد كان شيراك حتى وقت التنافس الحامي في المعركة الانتخابية الاخيرة، يواصل الاتصال بممثلي الفلسطينيين، ويطلق التصريحات الشاجبة لما يتعرضون له على أيدي جنود الاحتلال الاسرائيلي، كما ان فرنسا ـ عكس السائد في الولايات المتحدة ـ امتلكت القدرة على التفرقة بين شعب يقاوم بهدف التحرر وبين تنظيمات «الارهاب» التي تنتهج القتل والتدمير وتدعي احتكار الصواب، ومن هنا فلم يكن جهد الفلسطينيين في نظر ساكن الاليزيه إلا محاولة للتحرر، كما انه على اقتناع بأن استبعاد الحلول السياسية يقود الى التطرف وعدم الاستقرار، منطلقا بذلك من قاعدة تعاكس النظرية الاسرائيلية التي تسند الكلمة الأولى في حل القضية لجيش الدفاع! فرنسا المتفهمة لأوضاع الشرق الأوسط والعرب يمكن ان تساهم في قيادة التجمع الاوروبي بالتفهم والتعاطف، فهي تحتل مكانة مؤثرة في ذلك التجمع، وفي حالة ان يكون الرئيس شيراك مسئولا عن الدبلوماسية الفرنسية كاملة غير منقوصة، فإن هذا التفهم يمكن ان يتعمق، متيحاً الفرصة للتجمع الاوروبي بالتحليق في آفاق غير مسبوقة في فضاء السياسة العربية، إلا ان شيراك لن يكون مطلق اليد، فصعود اللوبانية بعنصريتها، يعني ضمن ما يعنيه معاداة اليهود، وكما هو معروف إن مدخل الصهيونية لكف يد شيراك في المستقبل سيكون مقارنة سياساته باللوبانية، وهو أمر يحد من تصرفه الى حد كبير باتجاه أخذ موقف متعاطف مع الفلسطينيين، كما ان سياساته القادمة لابد من ان تأخذ أطروحات لوبان بشيء من الجدية، خاصة في موضوعين مهمين: الهجرة، والأوضاع الاجتماعية والعمالية، والاثنان لهما علاقة بالعرب المهاجرين الى فرنسا، وأيضاً بالعلاقات مع عدة دول عربية خاصة في الشمال الأفريقي، فإن أضفنا الى ذلك ما يواجه سمعة العرب والمسلمين في أوروبا، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبحوا يواجهون الاتهام قبل ان يرتكبوا أخطاء، فضلاً عن تفرقهم، كل هذه العوامل معاً ستُذهب ريح العرب وتضعف من ثقلهم وفعاليتهم في المضمار السياسي. في الموضوع العراقي، وهو أحد المواضيع الساخنة في الشرق الأوسط، فإن جاك شيراك له رأي يقود المتابع الى ادراك ان صدام حسين دائما يختار الحل الأسوأ في مواجهة الأزمات، وعلى رغم التفرقة بين الحكم والشعب في السياسة الفرنسية تجاه العراق، لا يظهر العداء الواضح والمتحفز الذي تبديه بعض الدول في التحالف الاوروبي، إلا ان العلاقات الفرنسية ـ الأوروبية والامريكية الوثيقة قد تساعد في ان تأخذ فرنسا موقفا متشددا مع العراق في حالة توافق النظام الدولي على ذلك. يبقى البعد الثقافي الذي يرى فيه شيراك مفتاح الصراع ومفتاح الحل أيضا، ففي خطابه أمام المؤتمر العام لليونسكو في الخريف الماضي تحدث عن ان «القرن الواحد والعشرين قد يشهد صراع ثقافات، علينا جميعا ان نتحسب له»، ولم يكن شيراك بعيدا عن الحقيقة، فاللوبانية التي فاجأت الشارع الفرنسي هي في أحد مظاهرها صراع ثقافي من نوع ما. فرص العرب مع فرنسا الشيراكية هي فرص مهمة وثمينة، ولكنها تحتاج الى عمل دائب وجهود حثيثة ترسم طرقا واضحة وأهدافاً يراد تحقيقها، سياسية واقتصادية وثقافية، إلا ان المشكلة تكمن في ان العرب ليسوا فريقاً واحداً، ولا حتى ائتلافاً، فكل قد يجري وراء مصالح منعزلة تعاكس في مجملها المصالح المشتركة، وتخاصم الأهداف العليا للأمة العربية، فيستمر المسلسل العربي التاريخي في تفويت الفرص... ولكن ذلك موضوع آخر. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت