كان القبطان مندور رجلاً بسيط المظهر والبنية لدرجة ان أول ما يتبادر الى ذهنك حين تلقاه هو ان تتساءل كيف يحمل هذا الرجل الضئيل الجسم لقب «قبطان بحري» خاصة وقد وقر في اخلادنا، صورة نمطية متوارثة عن الكابتن «كوك» الانجليزي الذي يقال انه اكتشف قارة استراليا ووصف سكانها الاصليين بأنهم بدائيون فيما كانت سلوكيات «كوك» إياه اشد بدائية من هؤلاء السكان البسطاء بل اكثر توحشا.. وربما تكرست صورة القبطان ـ البحري بالذات ـ من خلال شغف طويل بكتابات جوزيف كونراد وكان من أعلام الرواية الانجليزية والعالمية على طول الجسر الزمني الواصل بين مغارب القرن التاسع عشر ومشارق القرن العشرين.. بل ان كونراد نفسه حكايته حكاية كما يقولون. ولد جوزيف كونراد من اصل بولندي ونشأ وترعرع في فرنسا ومن ثم جمع بين البولندية لغة المولد وبين الفرنسية لغة التربية والنشأة ولكن اختار له القدر ـ بتصاريفه العجيبة ـ ان يكتب اعماله الروائية باللغة الانجليزية، وان يصبح من ثم في الطليعة من مبدعيها في فن الرواية في العصر الحديث.. وخاصة في فصيل فريد لا يمكن توصيفه إلا بعبارات قد تقول: أدب البحر وربما «قلة ادب» العاملين في البحر المحيط وعلى متن السفن الماخرة لاعماق البحار من ضباط وبحارة وربابنة وقباطنة.. ولصوص ومحتالين وجواسيس ومغامرين ولذبة وحالمين.. دنيا عجيبة وسلوكيات اعجب صورتها ريشة كونراد الذي عايش حياة البحر سنين طويلة إذ عمل في سلك البحرية التجارية وخاصة من المحيط الاطلسي الى المحيط الباسيفيكي، ومن المحيط الهندي وبحر العرب الى بحر الصين الأصفر.. وكلها ـ كما ترى ـ مناطق من اليابسة والمياه مفعمة بالاسرار حافلة بالغوامض ومحكية في الاساطير.. جمع الاديب المذكور بين هذا كله وبين كتاباته الغريبة بدورها حول مجاهل ـ غياهب ـ القارة الافريقية وخاصة في روايته الشهيرة بعنوان «في قلب الظلام» وهو بطن الغابة الافريقية التي اجاد جوزيف كونراد تصوير ظلالها وطيوفها وحاول ان يتوغل فيما يخيم عليها من اسرار في حياة البشر والحيوان والدغل والنبات.. ناهيك بمن يفد على ربوع القارة السوداء.. منذ اواخر القرن التاسع عشر من شخصيات غريبة الاطوار يمكن ان يطلق عليها الناس وصف «ابطال الاساطير»، احيانا، فيما يجوز ان يطلقوا على تلك الشخصيات وصف «أوغاد الاساطير» في أحيان اخرى. في أدب جوزيف كونراد، هذا البولندي ـ الفرنسي ـ الانجليزي عرفنا شخصية البحار والقبطان لحيته الكثة غير المشذبة، لمعة عيونه المشعة بالمغامرة والشغف والفضول والقسوة والكبرياء.. جرمه الجسدي الضخم ـ الهائل الى حد العملقة في بعض الاحيان.. حكاياته التي لا تنتهي عما شاف وعاين وعايش في ملكوت الله الفسيح عبر القارات والبحار والمحيطات والامصار. هذه الصورة النمطية كما قد نسميها كم كانت مغايرة لصورة الكابتن ـ القبطان «مندور» الذي صحبه كاتب السطور في اطار دورة للتثقيف السياسي وتكوين الكوادر السياسية دامت في القاهرة عاماً كاملاً وتفرغنا فيه لمتعة الدرس ورصد التيارات العقائدية والسياسية التي كانت تموج انحاء المعمورة خلال سنوات المد العروبي التي عايشتها هذه الامة الطيبة اذ كانت تراودها احلام نبيلة لم تتحقق للأسف في الوحدة وفي الحرية وفي التقدم والنهضة والارتقاء. اما الذي كان يجذبنا الى الكابتن مندور فهو ان اسمه ارتبط تاريخيا باسم.. كليوباترا: لا نقصد بالطبع ملكة مصر التي تغنى شعراء بجمالها وجاذبيتها واتخذها جمهرة من ادباء العالم بطلة لاعمالهم الادبية منهم اجون درايدن شاعر الانجليز في مسرحية «حب للجميع» وبرناردشو اديب ايرلندا في مسرحية «قيصر وكليوباترا».. ثم امير شعراء زماننا احمد شوقي في «مصرع كليوباترا» ناهيك بشاعر الجندول علي محمود طه الذي يردد عبدالوهاب واحدة من اجمل اغانيه بمطلعها الذي لاشك سمعته مخاطبا كليوباترا: اي حلم من لياليك الحسان.. طاف بالموج فغنى وتغنى الشاطئان.. الخ. ان كليوباترا التي جذبت اهتمام جيلنا وارتبط بها اسم الكابتن «مندور» اسم السفينة التي وصلت في يوم من ايام مطلع الستينيات الى ميناء نيويورك.. وفوجئت بقرار من نقابة عمال الميناء الامريكي بمقاطعة شحن او تفريغ السفينة التي كانت ترفع يومها علم دولة كانت بدورها علامة من علامات العز العربي اسمها.. الجمهورية العربية المتحدة اذ كانت تلك ايام دولة الوحدة المصرية ـ السورية. وكم حكى زميلنا مندور ـ قبطان السفينة عن اسلوب الاستفزاز الذي عوملت به كليوباترا وقائدها وطاقم بحارتها من جانب نقابة ميناء نيويورك الذي كان معروفا انه واقع تحت سيطرة شبكة من المصالح التي شاركت فيها دوائر صهيونية الى جانب عصابات الجريمة المنظمة المعروفة باسم المافيا. كان المطلوب ـ يضيف القبطان «مندور» ـ ان تظل السفينة كليوباترا كائناً مهملاً ومنبوذاً في مياه نيويورك وبالتالي تصبح عبرة لمن تسوّل له نفسه ان يتحدى اسرائيل وقوى الاستعمار ومصالح الغرب دع عنك من ينادي ارفع رأسك يا أخي أو يقول ان على الاستعمار ان يحمل عصاه على كاهله ويرحل ليترك لنا بلادنا ومقدراتنا نديرها وفق مصالحنا ونتصرف فيها على نحو ما نشاء، يومها ابلغ الكابتن مندور خبر مقاطعة سفينته الى قيادة الجمهورية العربية المتحدة في دمشق والقاهرة.. وبعدها قامت الدنيا ولم تقعد ـ اننا نستعيد هذا الحدث وقد كنا وقتها في اولى سنوات اليفاعة لكي نقول لشباب هذه الامة وطلائعها ان امتكم ليست من العجز الذي يصوره الآخرون من باب الاستهانة او زرع اليأس في النفوس.. هذه الامة تملك أوراقاً وتتمتع بمقدرات وامكانات تتيح لها ادارة الصراع مع عدوها بكفاءة تؤدي الى نجاح. فعندما عرف الناس في وطن العرب ان ثمة سفينة عربية منبوذة بالمقاطعة في ميناء نيويورك هبت كل الفعاليات وفي مقدمتها عمال الشحن والتفريغ لا في الموانيء العربية بل وفي المطارات ايضا من اجل مقاطعة كل وسائل النقل والشحن والمواصلات من امريكا واليها.. ولم يكن ثمة عداء موجه بالتحديد الى افراد الشعب الامريكي فقد كانوا في التحليل الأخير ضحية ابتزاز المافيا وخداع المصالح الصهيونية ولكن كانت المقاطعة رسالة مؤداها ان الطرف العربي قادر على ان يفعل شيئا وان الصداقة طريق ذو اتجاهين وان لغة المصالح تقدم على اساس التبادل والتشارك وليس على مطارحة الود من طرف واحد. ولك ان تتصور كيف اغلقت المطارات والموانيء في مشرق هذا الوطن اليعربي ومغربه بوجه السفن والطائرات الامريكية وكيف ضحى عمال بسطاء وحمالون اشد بساطة وربما اقرب في معيشتهم الى الكفاف ـ ضحوا بأقواتهم وكان منهم عمال يعملون بنظام المياومة لكي تنجح خطة المقاطعة ولكي يؤكدوا ان هناك منظومة من القيم قد لا يعرفها الغرب العملي، المصلحي، البرجماتي، المادي ـ قيم تقول ان الكرامة يمكن ان تكون لها الاولوية قبل الخبز، فليس بالخبز وحده يحيا الانسان. نهاية القصة معروفة. فقد ذاق «الآخر» معنى ان نقاطع خدمته في البر والجو والبحر.. وتعلّم الدرس الذي استطاع العرب ـ قيادةً وشعوباً ان يؤدوه بطريقة حضارية، منظمة ومتآزرة ومن ثم جاءت ناجزة.. وفعالة الى ابعد الحدود. وكان ان رفع الحصار عن السفينة كليوباترا وعاود العمال في ميناء نيويورك خدمات الشحن والتفريغ والتموين وحين عادت كليوباترا الى ميناء الاسكندرية كان اسم قبطانها الكابتن مندور على كل لسان ومن ثم رشحوه بعد سنوات كي ينتظم معنا في الدورة التثقيفية التي ألمحنا اليها في مستهل هذا الحديث. تلك ذكريات عن انجاز سجلته امتنا وعمالها البسطاء في دفتر الفعل وليس في تهاويم التمنيات، وقد عادت تراودنا وتلح على خاطرنا بعد ان وافتنا الاخبار عبر موقع «جامعة اونلاين» الحاسوبي بأن عمال ميناء دمياط في شمال شرقي دلتا النيل قاطعوا سفينة شحن اسرائيلية تحمل اسم «زيم» تعبيراً عن تضامن العمال في مصر مع ابطال انتفاضة الاقصى في فلسطين. وبالمناسبة.. فإن الموقع المذكور على الانترنت انشأه طلاب جامعة الاسكندرية تعبيراً بدورهم عن تضامنهم مع انتفاضة الاقصى. أليس من حقنا ـ والحالة هذه ـ ان نعيد ترديد شعار كانت ترفعه الحركة الوطنية في مصر خلال كفاح منتصف الاربعينيات ضد الاحتلال البريطاني ـ وكان الشعار يقول: يحيا تضامن الطلبة.. مع العمال.