في نهاية كل مرحلة من مراحل النضال، أو إذا شئت في كل منعطف نضالي، تطالعنا بعض التكهنات من قبل بعض المبشرين، بأن ثمة اقتتالا داخليا قادما، قد لا يفصلنا عنه سوى عامل الوقت ليس إلا. بل أكثر من ذلك يذهب هذا البعض إلى رسم سيناريوهات الاقتتال الداخلي الدامي، واشراك كل القوى الفلسطينية الفاعلة، بداية من القوى الوطنية مروراً بالقوى القومية - اليسارية، وانتهاء بالقوى الإسلامية باعتبار ذلك الأمر حاصلا على الأرض لا محالة، منطلقين في رسم سيناريوهاتهم الجهنمية، إما من حسهم الأمني الرفيع المستوى (المرهف)، أو من بعض التكتيكات التي لا تتعدى كونها استراحة للمحارب، وجملة التكتيكات كالتي حصلت مع الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (أحمد سعدات)، رغم أن هؤلاء يدركون أن القضية برمتها متعلقة في كيفية إدارة الأزمة على المستويين الداخلي والخارجي، وأن جل ما في الأمر، مجرد سباق سريع للكسب السياسي والدبلوماسي بين حكومة شارون الفاشية المدعومة غربيا بشكل عام، وبين الشعب الفلسطيني وسلطته وقواه الوطنية والإسلامية، التي لم ينتصر لهم سوى أبناء جلدتهم بالدعم المادي وبالدموع والآهات المرة التي تعتصر ألماً، في لحظة العجز المتلازم مع الكبوة التي تعيشها الأمة في حقبة تاريخية استثنائية، قياساً بغيرها من الأحقاب التي تعدتها فيما مضى. أعني أن ما يجري من إجراءات عند الجانب الفلسطيني، ليس مرده كما يحاول البعض إفهامنا بأنها لحظة الانكسار وتقديم الطاعة لشارون ليتسنى له كتابة تاريخ انتصاره المعمد بالقتل والعدوان والأحقاد التلمودية، بقدر ما هي مرحلة لتضميد الجراح وترميم العظم المكسور في الجسم الفلسطيني المكلوم والمألوم في آن معاً. خاصة وأننا ندرك جيداً أن الجسم المفتت يصبح أكثر عرضة للهزائم، وأقل منعة في التصدي لآلة الحرب العادية، فكيف والأمر مع ترسانة الحرب الإسرائيلية التي تستحوذ على كل ما عجز عنه الوصف والتوصيف بالقتل والتدمير؟!!!وقد لا نغالي أو نبالغ في هذا المقام، إذا ما قلنا أن القوى الفلسطينية بكل مسمياتها وأوزانها وأيديولوجياتها، ليس لها من فسحة حتى لوقفة نقدية أو تقويمية، في ظل الهجمة الإسرائيلية المستمرة على الحجر قبل البشر والطفل قبل الكهل في كل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، هذا من جانب. أما من الجانب الآخر، استناداً إلى بعض المصادر القيادية عند كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني الفاعل، فإن الانتفاضة لم تنته بعد، وأن شوطاً آخر من العمل الانتفاضي ما زال مستمراً باعتباره حلقة من سلسلة متواصلة في النضال الفلسطيني من أجل الاستقلال والعودة، من جهة أخرى.فيما يرى العقلاء من الفلسطينيين، بأنه بات من الضروري التوقف أمام عسكرة المجتمع الفلسطيني، الذي سعت له قوات الاحتلال الإسرائيلي، بهدف تدميره كمقدمة لإسقاط سماته المدنية التي تؤهله لبناء المؤسسة المستقرة باعتبارها الظاهرة أو الحالة الأمثل، التي تدفع العالم بأسره إلى القناعة الكلية بضرورة الموافقة على إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، باعتبارها تستحوذ على مجتمع فلسطيني معافى، قادر على حكم نفسه بنفسه. بالمقابل من ذلك، فإن العمل الانتفاضي الناجز والفاعل، لا يمكن أن يستمر بإحداث انتصارات حقيقية على الأرض إلا بالعمل الجاد على ترميم الحاضنة بين الفينة والأخرى، أي بترميم المجتمع الفلسطيني وتصحيح المسار على كافة الصعد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وغيرها من متطلبات إدامة العمل الانتفاضي.لان الأقدر على حصد الانتصارات، هو الأقدر على الدوام على ترميم ذاته رغم الظروف الأمنية والسياسية العاصفة، وغير ذلك سيكون الأمر ضربا من ضروب العبث، أو كما يقول المثل الشعبي «مجرد فلاحة جمال، ما تفلحه تعيد ردمه بأرجلها»، مع الأخذ بالحسبان أن الأرض ليست مفروشة، أو معبدة بالورود، وأن العدو الذي نقابله، أشرس مما نتصور أحياناً، إن لم يكن أقدر بفعل الدعم الغربي كما أسلفنا، على اغتنام الفرص المتاحة في أغلب الأحيان. لكن قبالة ذلك، وبعد هذا التدمير والعسف والتنكيل ونزيف الدم بسبب العدوان المستمر، يبرز الكثير من الأسئلة في الشارعين الفلسطيني والعربي بهدف الوصول إلى النتائج المرجوة، ما العمل؟ بعيداً عن الأستذة التي يمارسها البعض القابع في برجه العاجي، وبعيداً عن النرجسية والادعاءات التي تقول بالمعرفة المطلقة، فإن ثمة أماني في شكلها مطالب في مضمونها، تصدر عن مجموع الشعب الفلسطيني تتلخص في التالي: أولاً: ضرورة الابتعاد عن الضجيج والصخب الإعلامي أثناء طرح القضايا الفلسطينية - الفلسطينية، التي كانت ولا تزال تعتبر مثاراً للجدل أو للاختلاف، ومن أهمها القضايا الأمنية - الإجرائية، خاصة المتعلق منها بالمطالب الشارونية المغلفة بغلاف أمريكي. ولعل قضية سعدات وبعض السجناء من حماس وغيرها، قد تجر الشارع الفلسطيني لسجال حاد قد تتسع مساحته لدرجة تصعب معها فيما بعد السيطرة عليه أو ضبطه، ليأتي بعد ذلك الاحتلال لينفخ من بين مساماتها كالكور في الجمر الحار. ثانياً: تحاشي كل الأمراض التي كانت قبل الوضع المستجد، والتي تتلخص بالإصلاح السياسي والإداري والتنظيمي والمالي، وتقديم كل الحلول من خلال انتهاج حالة من الشفافية، خاصة على الصعيد المالي والإداري الذي بات يعتبر معضلة حقيقية بالنسبة للحاكم والمحكوم في فلسطين هذا من جهة، وبين الدول الداعمة للسلطة، خاصة العربية منها بتقديم كشوف مالية حقيقية تتوخى المصداقية في بنود صرف هذه الأموال لديمومة وتمتين روابط الثقة بالمؤسسة الفلسطينية من جهة أخرى. أما فيما يتعلق بالجانب الأمني فقد بات يشكل هاجساً بالنسبة للفلسطينيين، لجهة البنى الأمنية التي نجح في تشكيلها الاحتلال على مدار أكثر من 35 عاماً، انطلاقاً من عاملي الترهيب والترغيب، وأصبح مطلوباً من القيادة السياسية الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى، إطلاق باب التوبة لعناصر هذه البنى، بما يؤمن فضها بشكل سلمي أولاً، والاستفادة ما أمكن من هذه البنى في كشف المخاطر الأمنية المحدقة، وبما يصب أيضاً في عملية تحصين المجتمع الفلسطيني المبرمج ثانياً. ثالثاً: تشكيل مرجعية سياسية موحدة، تضطلع بمهامها الوطنية باعتبارها أعلى سلطة فلسطينية، وبما يؤمن إلزام الأجهزة الأمنية بقرارات المرجعية السياسية الموحدة، شريطة أن تضم كل القوى والفعاليات الفلسطينية. وشرط نجاح هذه الخطوة عودة التفكير الجاد وجنباً إلى جنب مع ترميم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني في الشتات والوطن، بحيث يتم النظر من جديد وعلى أسس وطنية لقضية التمثيل التي اقتصرت فيما مضى على بعض الوجوه التقليدية، أخذا بالحسبان التمثيل الجغرافي كشكل من أشكال التمثيل القطاعي للشعب الفلسطيني كافة، سعياً للخروج من إسار تلك الوجوه المتكلسة العاجزة التي تسعى للتمسك بديمومة استمرارها من المهد إلى اللحد، بهدف الحظوة أو الفائدة. خاصة وأن الشعب الفلسطيني، ليس لتمايزه كما يدعي البعض وكأن القضية قضية عرقية، بل لتجربته الطويلة قادر على رفد هذه المؤسسات بالكوادر الشابة القادرة على ملء الفراغ الحاصل بهذه المؤسسات منذ عقود مضت. لكن بالنهاية، وبعيداً عن تقديم الوصفات الجاهزة، تبقى التحديات كبيرة جداً بعد ما يقارب العامين من الصراع الدامي مع قوات الاحتلال، وأنه لا بد من أخذ روح المبادرة لتخطي هذه التحديات، ودون ذلك سندخل في النفق الفلسطيني المظلم الذي قادنا بعد الخروج من بيروت إلى حالة من الاقتتال الفلسطيني، دفع شعبنا في مخيمات الشتات واللجوء في لبنان خاصة، ضريبة دامية ما تزال تشكل وصمة وجرحا عميقا في تاريخ نضال شعبنا الفلسطيني. بموازاة ذلك أيضاً، فإن الجانب العربي هو الآخر بات مطلوباً منه مساعدة الفلسطينيين على الخروج من أزماته بكل تفاصيلها، وأن اللوذ خلف مقولة الخصوصيات الوطنية مجرد تهرب من الالتزامات، خاصة وأننا ندرك أن القضية الفلسطينية وتداعياتها لم ولن تخص الفلسطينيين وحدهم بل تطال بخطورتها ودقتها كل العرب، وأنه ليس من ذريعة لاحد بالتنصل من التزاماته بصرف النظر عن الجغرافيا التي رسمها سايكس و بيكو، والبعد والقرب حسب هذه التقسيمة، المرسومة قسرا، عن فلسطين. يبقى السؤال الأهم الذي يحتاج إلى أجوبة سريعة من أصحاب الحل والعقد: هل وصلنا حقاً إلى تحسس الخطر القادم؟ أم أننا سنبقى نستكين إلى الوعود الكاذبة التي ستجرنا إلى ما هو أسوأ؟ ـ كاتب فلسطيني