انه مشروع مريب الى ان يثبت العكس. فالمؤتمر الدولي الذي اقترحته الولايات المتحدة للنظر في اجراء تسوية سياسية نهائية للصراع العربي الاسرائيلي، يبدو وكأنه صيغة امريكية لتمكين ارييل شارون من قطف ثمار سياسية لحملته العسكرية الضارية التي احالت المدن الفلسطينية الى خرائب والاسر والافراد الى مشردين. وبعد، فلنستذكر ان الاقتراح صدر أصلا عن شارون. واذا كانت الدول العربية قد وافقت على الاقتراح من حيث المبدأ، فإن من المأمول ان تتوخى الحذر استفادة من تجربة مؤتمر مدريد (عام 1991). والطريق الذي افضى الى «اوسلو» سيئة الصيت. اول المحاذير ان المؤتمر الجديد، مثله مثل المؤتمر السابق، تطرح فكرته على اساس فرضية امريكية اسرائيلية بأن الطرف الفلسطيني، لخروجه للتو من محنة عظيمة، يعاني ضعفا ووهنا، وبالتالي اصبح ذا قابلية للابتزاز واستعداد للتنازل عن الثوابت. فقبل 11 عاما دخلت منظمة التحرير الفلسطينية مؤتمر مدريد في اعقاب نهاية حرب الخليج الثانية، وقد فقدت العراق المهزوم كحليف اول بينما ووجهت في الوقت نفسه باضطهاد ومقاطعة من عدة اطراف عربية. وكما ظن جيمس بيكر بالامس ان قيادة منظمة التحرير المهزومة سياسيا لن تستطيع الصمود في المعركة التفاوضية، فإن الانطباع نفسه يراود ذهن رصيفه الراهن كولن باول اذ يرى حسب تقديره ان حملة شارون قصمت ظهر المقاومة الفلسطينية المسلحة وان عرفات سيأتي بالتالي الى المؤتمر الدولي الجديد وهو جاهز للتنازل. والسؤال الذي يجب ان يطرح هو: هل يكذب العرب ظن باول وبوش وشارون؟ هل يدخل عرفات المؤتمر وهو مصمم على نبذ التنازل عن الثوابت الاساسية؟ وهل يلقى الدعم المطلوب من الاطراف العربية الاخرى اذا ابدى هذا التصميم؟ في وقت لاحق من هذا الاسبوع يجتمع وزراء الخارجية العرب في القاهرة لبحث اقتراح عقد المؤتمر الدولي. والمتوقع ان يتركز النقاش في هذه المرحلة على مسائل اولية واجرائية. لكن ما يخرج به الاجتماع سوف يكون مؤشرا لقياس مدى التصميم العربي تجاه القضايا الجوهرية. من المسائل الاجرائية مثلا: هل هو مؤتمر «دولي» بالمعنى الكامل للكلمة؟ ان واشنطن صاحبة الاقتراح ترشح بالاضافة الى الاطراف العربية واسرائيل والولايات المتحدة كلا من الاتحاد الاوروبي وروسيا وهيئة الامم المتحدة. لكن هذا الطرح قد يكون خدعة اذا استرجعنا التجربة السابقة في مدريد، فقد اتضح ان مشاركة الاتحاد السوفييتي حينئذ كراع ثان كانت مجرد مشاركة احتفالية: فالمندوب السوفييتي بناء على ترتيبات امريكية مسبقة متفق عليها غادر المؤتمر مباشرة بعد نهاية الجلسة الافتتاحية ليفسح المجال بالكامل للولايات المتحدة كراع اول. هذه السابقة تلقي الآن بظل كثيف على الاقتراح الامريكي بشأن عضوية المؤتمر الدولي الجديد.. وإلا فلماذا لا يعقد المؤتمر ببساطة، اذا اريد له ان يكون دوليا حقا، تحت الاشراف الكامل لهيئة الامم المتحدة، خاصة ان من المفترض ان تكون قرارات الامم المتحدة بشأن الصراع العربي الاسرائيلي هي المنطلق الاساسي لمداولاته؟ والاكثر اثارة للريبة هو ان واشنطن تتحكم، وفقا لاقتراحها، حتى في تقرير من يشارك ومن لا يشارك من بين الاطراف العربية. ان هذا التوجه يجب ان يرفض بحزم.. وعلى الفور. واذا كان الاجتماع المرتقب لوزراء الخارجية العرب سيعقد كما هو مفهوم تحت مظلة جامعة الدول العربية، فإن هذا الاقتراب الجماعي في القضية المطروحة يجب ان يستمر حتى النهاية. فالدول الاعضاء مجتمعة يجب ان تكون هي الجهة التي تنفرد بتحديد الاطراف العربية التي يجب ان تشارك في المؤتمر الدولي ووفق اطار مباديء متفق عليه سلفا. وفي كل الاحوال ينبغي ان تتعامل الاطراف العربية جميعا مع الاقتراح الامريكي بأعلى درجات الاسترابة.. وبالتالي اعلى درجات الحذر.. حتى لا ننتهي الى صفقات سرية على غرار اوسلو.