إذا قال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج دبليو بوش: «ينبغي على إسرائيل أن تنسحب الآن، وأن تنسحب من جميع الضفة الغربية» فهذا معناه أن تنسحب في الوقت الذي يحدده رئيس وزراء الكيان الصهيوني بوصفه القائد الميداني للعملية العسكرية المشتركة التي وافق عليها وأطلقها الرئيس بوش ضد ما يسميه: «الإرهاب» في المرحلة الثانية من حملة «مكافحة الإرهاب» بعد أفغانستان. لأن الحملة التي حشدت لها دولياً وشاركت فيها دول عربية وإسلامية، أصبحت عملياً ومنذ التصنيفات التي بدأت بإدراج المقاومة الفلسطينية واللبنانية والدول الداعمة لهما على جدول «الإرهاب» من دون موقف عربي رسمي يستخلص النتائج من التخطيط للخطوات التالية قبل أن تقع الفأس في الرأس ـ أصبحت حملة لمصلحة الاحتلال الصهيوني ضد الواقعين تحت كابوس ذلك الاحتلال تلتزم دول عربية وإسلامية بدعمها على نحو ما؟ والتعليل الدبلوماسي الذي قدمه الوزير كولن باول للدلالة الزمنية ومفهومها ذاك تزيد أمور الشراكة وضوحاً والموقف تعقيداً، فقد قال الوزير بتاريخ 18 ابريل 2002 في معرض تسويغه لعدم استجابة شارون لمطلب الرئيس بوش بالانسحاب الآن: «أراد الرئيس أن يرى انسحاباً فورياً، ولم يحدث ذلك لأسباب لا داعي للخوض في تفاصيلها الآن.»؟! أما لماذا السكوت على تفاصيلها فهذا من الأسرار السياسية التي لا يجوز البوح بها. ثم أشار الوزير إلى «أسباب» في وقت لاحق «22 ابريل 2002» بقوله: «كنت أفضل لو انسحب الإسرائيليون فوراً، ولكنهم ، ولأسبابهم الخاصة كدولة ديمقراطية ذات سيادة ، شعروا أنهم يحتاجون وقتاً للقيام بما كانوا يقومون به في عمليتهم العسكرية.. ملاحقة الإرهاب.»؟! ثنائية التفسير وهكذا زاد الوزير الأمور وضوحاً وتعقيداً في الوقت ذاته، إذ أصبح علينا أن نبحث عن منطق لفهم كيفية التعامل مع «قاعدة منطقية» أمريكية ثنائية التفسير والتطبيق: فالديمقراطية الإسرائيلية تقتضي من الأمريكيين ترك العدوان الذي تقوم به تلك الدولة الديمقراطية مطلق العنان إلى أن يحقق أهدافه، والذي يحدد ذلك المدى هو ممثل تلك الديمقراطية وحده، أما الدفاع عن النفس بمواصلة مقاومة المعتدي أو رفض الاستسلام له، إذا جاء من دولة مشكوك أمريكياً بديمقراطيتها، فأمر لا يجوز أن يقع لأن الدفاع عن النفس في هذه الحالة لا يبدو غير ديمقراطي فقط وإنما إرهاباً على المجتمع الدولي أن يكافحه؟! وفي هذه الحالة تبدو المواصفات الإنسانية للبشر وربما المواصفات الخَلْقية لهم مختلفة من نظام حكم إلى آخر، ومن موالاة لهذا النظام أو ذاك.. لهذه الدولة أو تلك؟! وفي هذا المنحى من الفهم والتفسير والتفكير يصبح لدينا تصنيف عنصري من نوع جديد للبشر: بشر لهم مواصفات إنسانية بوصفهم ديمقراطيين أو موالين لنوع من الديمقراطيات، وبشر من صنف آخر محكوم عليهم بالعيش في ظل «ديكتاتوريات» تحرمهم من الحياة الديمقراطية وتجعلهم مسلوبي المواصفات البشرية. ولا يقف الحد عند نوع من الديمقراطية أو نوع من الفهم والتطبيق لها بل يتوقف الأمر على موالاة أنظمة معينة حتى لو كانت ديمقراطيتها «نص على نص» تصنعها رؤوس الأموال والرشاوى الكبيرة؟! في هذا المنطق يصبح المعتدي الموالي للولايات المتحدة «الديمقراطية» أو للصهيونية التي تقدم كيانها بوصفه دولة ديمقراطية صاحب حق في ممارسة العدوان إلى أن يكتفي وينجز ما يراه حقاً له وتصبح كل تصنيفاته وأحكامه وممارساته مسوغة ومقبولةً ومفهومةً أو متفَهمة وفق المصطلح الأمريكي للتفهم الذي يعني: منح الموافقة وتقديم الدعم! وكل دفاع عن النفس أو تصدٍ لاحتلال «دولة ديمقراطية» لوطن الغير وعدوانها على مصالحهم إرهاباً وديكتاتورية ينبغي أن تحارب باسم الدفاع عن النفس والحفاظ على الأمن وباسم حقوق الإنسان والتقدم الحضاري ، كما يقدم حقيقة غائبة عنا وهي: أن قرار الحرب والاستمرار في عملياتها التدميرية وجرائمها ضد البشرية إذا كان من مصدر ديمقراطي أو اتخذ ديمقراطياً أو بتفويض ديمقراطي فينبغي قبول مسوغاته ونتائجه وعدم مقاومته حتى لو كان عدواناً صارخاً كعدوان الكيان الصهيوني الهمجي المدمر والمستمر على الشعب الفلسطيني، أما إذا نشأ من مصدر ديكتاتوري أو من ديكتاتوريات معينة ولم يتوقف من الشعب الذي يخضع لها فهو بسبب غياب الديمقراطية؟! وكأن الديمقراطيات مبرأة من العدوان، وما نراه من عدوان أمريكي على العراق أو على أفغانستان أو ما شهدناه في سنوات سابقة ضد فيتنام وفي كوريا وسواها أمر مبرر لأنه من قوة «ديمقراطية» متغطرسة وعمياء؟! وإذا كان ما ذهب إليه الوزير باول يزيد الطين بلة ويقدم عذراً أقبح من ذنب فإن الوزير الأمريكي لم يتوقف عند حدود هذه المزالق التي تكشف الإدارة الأمريكية أكثر مما تسترها، بل مضى في تنفيذ سياسة حكومته والتعبير عمن يحكم تلك الحكومة إلى ما هو أدهى من ذلك وأمر. عندما قال الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في مقال له في صحيفة نيويورك تايمز «الأحد 21 أبريل 2002:».. من الواضح أن إسرائيل استعملت أسلحة أمريكية لأغراض غير دفاعية في جنين مما يخالف القانون الأمريكي.. و.. إن الوقت ربما حان للنظر في مسألة قطع المساعدات عن إسرائيل.«قالت الإدارة بلسان الوزير باول:» بالنسبة لقطع المساعدات إننا لا نفكر بذلك في الوقت الحاضر... من المؤكد أن هذا الأمر غير وارد في جدول أعمالنا الآن. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل ارتفعت أصوات في الكونجرس تنادي بتقديم مئة مليون دولار لمساعدة «إسرائيل» في حملتها على «الإرهاب» وقال الوزير باول إن الولايات المتحدة ستقدم مساعدات للفلسطينيين وللاقتصاد الإسرائيلي الذي تضرر من الأحداث الأخيرة! فساوى الوزير بين المجرم والضحية، ولكن السلطة التي دمرت كل بناها والشعب الفلسطيني الذي خسر كل شيء تقريباً لن يأخذا 2% مما يعطى للكيان الصهيوني في هذا المجال والكلام ذر للرماد في العيون. ازدواجية الأحكام في قضية المعتقلين مع الرئيس عرفات ، المتهمين بقتل رحبعام زئيفي، تفهم الأمريكيون استمرار الحصار على مقر الرئيس عرفات في رام الله ، حتى بعد زيارة الأمير عبد الله للرئيس بوش وتناوله لموضوع ذاك الحصار، إلى حين الانتهاء من ترتيبات فريدة يقوم بموجبها سجانون بريطانيون وأمريكيون بسجن أولئك المتهمين، بعد أن أصدرت السلطة أحكاماً بحقهم.. إذ لا بد من ذلك فقد قال الرئيس بوش: «بأنه يجب تقديمهم للعدالة» فشارون يريد ذلك، سجنهم في أريحا، ولا يتمكن الرئيس من الخروج من مقره قبل الانتهاء من تلك الترتيبات لأن شارون يريد ذلك ؟! وعلى الرغم من الإزدراء الكلي بما تنص عليه اتفاقيات أوسلو البائسة التي تحكم هذا النوع من الأمور بوضوح إلا أن اختراعاً يرضي شارون هو الذي تم تنفيذه: سجانون أمريكيون!، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تمت مقايضة عجيبة لمصلحة الكيان الصهيوني، حيث تم الاتفاق بين الأمريكيين والصهاينة على أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بإبطال مفعول قرار مجلس الأمن بتشكيل لجنة «تقصي الحقائق» في مخيم جنين كان الأمريكيون قد وافقوا عليها بل قدموا الصيغة النهائية للقرار الذي تم بناء عليه تشكيل تلك اللجنة وتحديد مهامها، وأن تسكت على عدم سماح الكيان الصهيوني للجنة بالعمل بعد أن عدل تشكيلها بناء على طلب الكيان الصهيوني، لأن تلك اللجنة لا ترضي «اسرائيل» ولا ترضي جنرالات القتل في ذلك الكيان النازي، ولأنها حسب مصادرهم ستعرض ضباطاً وجنوداً صهاينة للمساءلة وربما للمحاكمة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي.. وهذا لا يليق باليهودية التي سوف تتهم بارتكاب مذابح. ولذلك تم إبطال مفعول اللجنة ومفعول مجلس الأمن في هذا المجال وتعهدت الولايات المتحدة بتغطية ذلك وبحماية «إسرائيل» من نتائج عدم التزامها بالقرار في مقابل القبول بهذه الصيغة المشينة: سجانون أمريكيون لفلسطينيين حكمت عليهم سلطة لا يوثق بها ليشرفوا على تنفيذ أحكامها على مواطنيها.. في مقابل إطلاق سراح الرئيس عرفات ورفع الحصار عن مقره في رام الله؟ وفي هذه بلع الرئيس الأمريكي كلامه وربما لسانه كما فعل عندما طالب «بالانسحاب الآن.. والآن تعني الآن.. إلخ» ولم ينفذ القائد في منطقة العمليات شارون.. بلع الرئيس كلامه الذي قاله نقلاً عنه الناطق باسم البيت الأبيض أري فلايشر: «إن الرئيس يؤيد إجراء تحقيق ، والأمم المتحدة تقوم بذلك، وقد دعا الرئيس إلى الشفافية ويريد رؤية الحقيقة.». أما المسئولية الجرمية المقابلة لمسئولية قتل زئيفي وهي محاكمة قتلة الشهيد «أبو علي مصطفى»، وهو قائد تنظيم فلسطيني ويساوي في مرتبته الوزير الصهيوني وأكثر، فلم تذكر على الإطلاق.. ربما لأن زئيفي قتل برصاص عادي أما أبو علي مصطفى فقتل بصاروخ من طائرة أباتشي أمريكية يقودها صهيوني فوق القانون كان يتصيد فوق رام الله.. ونظراً لحجم القوة المستخدمة ومصدر السلاح ونوع القاتل وأخلاقية الجيش الذي ينتمي إليه، المكون من عصابات: شتيرن وليحي وزفاي ليومي.. إلخ، وغياب «الديمقراطية» بالمفهوم الأمريكي ـ الصهيوني لها، فإن دم الفلسطيني لا يذكر أو لا يساوي شيئاً ودم الصهيوني تلاحق عليه بلدان وشعوب لعقود وربما لقرون من الزمن؟! قائدان ومعركة واحدة وإذا قال الناطق باسم الولايات المتحدة في19 أبريل: «إن الولايات المتحدة الأمريكية تهيب بإسرائيل أن تحترم المباديء الإنسانية وتسهل سبل وصول المنظمات والخدمات الإنسانية إلى الشعب الفلسطيني،» فإن مخيم جنين لم يدخله مسئولون عن منظمة حقوق الإنسان ولا عن سواها إلا بعد أن شاء شارون ذلك وفي الحدود التي رسمها بالضبط، فكلام بوش شيء وفعل شارون شيء آخر.. هذا قائد المعركة السياسي وهذا قائد المعركة العسكري ضد شعب واحد وأمة واحدة وقضية واحدة فلم نعجب.. ولم لا نكون؟! نفذ شارون ما يريد حتى من دون أن ينتزع الألغام التي زرعها في مخيم جنين لتتصيد بقية أهل المخيم الذين يبحثون عن جثث شهدائهم وبقايا منازلهم. نحن أمام شراكة مدنسة.. وأمام تورم سرطاني من نوع غريب يشعر المصابون به أنهم أصحاء وأنهم فوق القانون وأنهم فوق البشر، ولما كانت بيدهم القوة فقد أصبحوا مطلقي السراح يعيثون فساداً في أرض البشر ويقولون: «إنهم ينشرون الرحمة الأمريكية في الأرض» !! صدقوا هذا ما يقولونه ، أما حقائق الموقف وحقائق ما يعملون عليه بشراكة من يدخل في شراكة معهم أو من يستخدم مخلباً أو أداة لهم فهو كما قال مسئول تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية السفير رتشارد هاس: «إن الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين هو دمج الدول والمنظمات الأخرى في ترتيبات من شأنها أن تدعم وتشجع عالماً متناغماً مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، مما يعزز بالتالي السلام والرفاهية والعدالة إلى أبعد حد ممكن.» أما السلام والعدالة والرفاهية لمن ؟؟ فإن إجابة الرئيس بوش في مؤتمره الصحفي بعد لقائه بالأمير عبد الله ولي عهد المملكة العربية السعودية، إذ قال الرئيس بوش: حسناً.. قلت لولي العهد إن لدينا علاقة فريدة مع إسرائيل، وإن هناك شيئاً يمكن للعالم أن يعتمد عليه وهو أننا لن نسمح بأن تُسحَق إسرائيل. وأعتقد أن ذلك تصريح مهم. انتهى كلام الرئيس واستمر فعل شارون الإجرامي.. ويا عرب أفيقوا.. وإذا فعلتم فأنتم منتصرون بعون الله. ـ رئيس اتحاد الكتاب والصحفيين العرب