نخطئ كثيرا حينما نعتقد بأن العالم يؤمن بسياسات الولايات المتحدة الامريكية، ويناصر (اسرائيل) او يعتبر شارون (رجل سلام) كما وصفه الرئيس الامريكي بوش، نعم نخطئ لان في العالم دولا وأنظمة وبشرا يمتلكون العقل والحكمة، وهم أحرار في ابداء آرائهم قبل ان يكونوا عبيدا لآليات السوق والهيمنة الامريكية واتفاقيات التجارة الدولية، ينطبق هذا الكلام على دول العالم وسكانه شرقا وغربا، لا خلاف في ذلك بين الفرنسيين واليابانيين والروس والانجليز والعرب والهنود و ... الخ. نعم ليس صحيحا ان كل الاوروبيين ضدنا، وبأنهم يناصبوننا العداء، وينظرون الينا كارهابيين، والى ما تقوم به الولايات المتحدة و (اسرائيل) كأعمال اخلاقية او دفاعا عن النفس، بناء على ما تنشره الصحف او وسائل الاعلام، فقد اوضحت ازمة 11 سبتمبر، بأنه لا وجود لاعلام حر 100%، ولا صوت يعلو على الصوت الرسمي في الولايات المتحدة (قلعة الديمقراطية) وفي اماكن كثيرة من العالم، وهنا علينا ان نعرف ان الانسان العادي يقول رأيه في اي مكان، لكن هذا الرأي لا وجود له في وسائل اعلام بلاده، ففي الاعلام تظهر بشكل ساحق الاراء التي تتماشى مع وجهة نظر الحكومة او وجهة نظر (اسرائيل) او من يؤيدها (في امريكا بشكل واضح). منذ اليوم الاول لوصولي الى بريطانيا استمعت وبصريح العبارة من سائق السيارة الانجليزي الصرف، الى جملة واضحة قال فيها: لا أفهم ابدا لماذا تقف امريكا مع اسرائيل بهذا الشكل السافر المنافي لكل معايير الاخلاق والمنطق، ولا افهم لماذا تسير الحكومة البريطانية كتابع ذليل خلف امريكا، وأكاد أجن عندما اسمع الرئيس بوش يصف شارون بأنه (رجل سلام)!! إنه باختصار شديد ليس سوى قاتل .. قاتل مع مرتبة الشرف! قلت له انها ضرورات السياسة والمصلحة، انتم الانجليز اول من وقف الى جانب (اسرائيل) ولا شك ـ بما انك تتكلم في السياسة ـ انك تعرف حكاية وعد بلفور أيام الانتداب البريطاني على فلسطين بداية القرن العشرين، وبقية الحكاية معروفة .. انها لعبة سياسية غربية قذرة ضد العالم العربي تتبناها الولايات المتحدة اليوم بشكل قوي ومستفز، لكنكم اول من بدأها، وأسس لها وتاريخكم في هذا المجال معروف وهو ليس مشرفا على اية حال .. انها لعبة مصالح كما قلت لك. قال: انها السياسة والسياسيون، ولسنا نحن كشعب وكأناس عاديين، لكنني مازلت محتارا من مسألة (لعبة السياسة والمصالح) التي تتحدثين عنها، أليس لبريطانيا والغرب وامريكا على وجه الخصوص مصالح كبيرة جدا مع العالم العربي والاسلامي؟ اذن لماذا تضحي بمصالحها معكم من اجل (اسرائيل) انا لا افهم هذه النقطة تحديدا؟ هل يمكنك ان تفسري لي ذلك؟ وسألته: هل هذه القناعات التي تحملها هي نفسها قناعات الحكومة؟ قالها مباشرة: الحكومة تتبع السياسة الامريكية! وما دوركم انتم اذا كنت تقول بأن الناس او الشعب لديهم وجهة نظر اخرى او مناقضة تماما لوجهة نظر الحكومة؟ أليست حكومتكم؟ ألستم انتم الذين اتيتم بها عبر صناديق الاقتراع الحرة النزيهة في بلادكم؟ أليست هذه الحكومة ثمرة من ثمار الحرية والديمقراطية والليبرالية التي تعيروننا بأننا نفتقدها؟ وصمت الرجل، وعندما انزلني في العنوان المحدد الذي اشرت اليه قال لي: اذا عشت في بريطانيا مدة من الزمن، فاقرأي الصحف ستجدي وجهة نظر اخرى تختلف عن وجهة النظر الامريكية تماما!! وكأنه يريد ان يبريء نفسه من تهمة ثابتة وتاريخية وخسيسة ايضا!! في كامبردج، وفي الفصل الدراسي تحديدا، وقفت الاستاذة امامي تسألني عن تخصصي الدراسي، وحينما علمت بأنني طالبة علوم سياسية، هرعت الى حقيبة يدها وأخرجت قصاصة من جريدة انجليزية شائعة، كانت عبارة عن رسم كاريكاتير يمثل شارون بشكل ضخم جدا وهو يسد خلفه الدمار الذي خلفه الجيش الاسرائيلي في جنين، وقد كان تعليق الكاريكاتير: انا فقط اريد ان اقول بأنه لا يوجد شيء في اسرائيل نريد ان نخفيه عن العالم!!