في زمن سقطت فيه الأقنعة وتهاوت الخطوط الحمراء، لم تعد أكثر أمثالنا سخرية صالحة للتعبير عن الحال التي تردينا إليها. نحن الذين كثيراً ما رددنا «إن شر البلية ما يضحك» لم نعد قادرين على الضحك ولا البقاء بينما مشاهد الهوان تتوالى علينا تترى بعد أن فقدنا القدرة على أن نحرك ساكناً أو نوقف متحركا. حتى سجوننا المشهود لها بالكفاءة والتاريخ المشرف ـ وهو في الحقيقة غير مشرف ـ في كتم من يقوده قدره الأسود إليها لم تعد محل ثقة أعدائنا، وهي التي طالما رفعت شعار «الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود» فتفتقت أذهانهم عن فكرة سجن المسئولين عن مقتل وزير السياحة الاسرائيلي المقبور رحبعام زئيفي تحت حراسة سجانين امريكيين وبريطانيين، واضعين في معيتهم امين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمسئول المالي في السلطة الفلسطينية. هكذا تم تفصيل العرض الذي قدمه الرئيس الامريكي إلى رئيس السلطة الفلسطينية مقابل رفع القوات الاسرائيلية لحصارها الذي فرضته على مقره في رام الله والسماح له بالتنقل إلى أي مكان يريده، داعياً إياه إلى التصرف كقائد كي يكسب إحترامه الذي لم يحصل عليه بعد! فهل يستحق كسب إحترام الرئيس الامريكي أن نفرط في تاريخ سجوننا التي طالما كممت أفواهاً وأخفت وجوهاً وكبّلت أيادي في مثل طهارة أيادي هؤلاء المناضلين الذين أصدرت محكمة فلسطينية ـ في مقر رئيس السلطة الذي كان محاصراً ـ عليهم أحكاماً متفاوتة بالسجن عوضاً عن مكافأتهم وتكريمهم على عمل بطولي كهذا؟ وهل رأيتم زمناً أكثر رداءة من زماننا هذا؟ إذ ليت هذه الأحكام أرضت السفاح شارون فلم يعقب عليها قائلاً إن اسرائيل مصممة على تسليم المسئولين عن قتل الوزير لها.. مضيفاً: «إنني مضطر للقول إن هذا يبدو غريبا، فقد كان ممكناً تجنب محاكمتهم مرتين. ففي نهاية المطاف سيتم إحضارهم الى اسرائيل». وفي سياق «شر البلية ما يضحك» جاء وصف الرئيس الامريكي للسفاح شارون بأنه رجل سلام. هذا الوصف الذي لم يترك حتى ورقة «كلينكس» في أيدي من يسمون أنفسهم أنصار السلام في اسرائيل نفسها. فإذا كان رئيس اكبر دولة في العالم يصف غريمهم بأنه رجل سلام فبأي ورقة يلعبون هم الذين يصفونه داخل اسرائيل بأنه مجرم حرب يقوّض بجنونه وعشقه للدم كل فرصة للسلام والتعايش مع جيرانه؟ وفي زمن امتناع الضحك هذا يختلف نائب بريطاني يهودي مخضرم مع الرئيس الامريكي حول السفاح شارون ويصفه بأنه «مجرم حرب وأحمق». هذا ما قاله النائب العمالي «جيرالد كوفمان» أثناء نقاش داخل مجلس العموم البريطاني للأزمة في الشرق الأوسط، متهماً شارون بأنه جعل من اسرائيل دولة منبوذة على الصعيد الدولي لطخت بأفعالها نجمة داود بلون الدم. ويضيف كوفمان: إن شارون أمر القوات الاسرائيلية باستخدام وسائل وحشية ضد الفلسطينيين، وقد حان الوقت لتذكيره بأن نجمة داود تخص اليهود جميعاً وليس حكومته المثيرة للاشمئزاز، واصفاً إياه بأنه ليس مجرم حرب فقط ولكنه أحمق. ودعا النائب البريطاني أعضاء البرلمان إلى التفكير في الأسباب التي تدعو الشباب الفلسطيني الى تحويل أنفسهم الى قنابل حية قائلاً: «علينا أن نسأل أنفسنا عن شعورنا لو كنا خاضعين للاحتلال الاجنبي لمدة 35 عاماً، احتلال يمنع عنا أبسط حقوقنا كبشر ويحرمنا من العيش الكريم. بل علينا رؤية ما فعله اليهود أنفسهم في ظروف مشابهة، فقد فجرت منظمة أرجون التي كان يقودها مناحيم بيجن فندق الملك داود بالقدس، وقتلت 91 شخصاً بمن فيهم 17 يهوديا». هل نقول: وشهد شاهد من أهلها؟ أم نقول إن الرئيس الامريكي المسيحي المتدين قد أنصف شارون وأن النائب البريطاني اليهودي قد ظلم واحداً من بني ديانته وكتابه؟! ويمضي بنا قطار الضحك والبكاء الى هناك.. الى الشمال الأوروبي الذي حملت الينا أخباره القادمة من السويد نبأ وزيرة الخارجية السويدية «آنا ليد» التي أقسمت أنها لن تشتري البضائع الاسرائيلية في الاسواق السويدية. هذا الموقف من الوزيرة السويدية بررته في تصريح لها للتلفزيون قائلة: «إذا كنت لا استطيع التأثير على سياسة الحكومة بإعلان المقاطعة لاسرائيل، فأقل الأمور أن أقاطع أنا شخصياً البضائع الاسرائيلية» ودعت المواطنين في بلادها كي يحذو حذوها طالما هناك مجازر بحق الفلسطينيين. نهدي هذا الموقف لدعاة التطبيع الذين ما فتئوا ينشئون جمعيات الصداقة العربية الاسرائيلية ويفتحون مكاتب التمثيل التجاري للدولة الصهيونية في بلدانهم، وتطالعنا وجوههم التي نُزِعَ منها الحياء على شاشات الفضائيات مدافعين عن مواقفهم المخزية. هكذا ينتقل بنا مسلسل الضحك الذي هو أمرّ من البكاء من حلقة الى حلقة في زمن العجائب الذي نعيشه هذا. فهل نحن على موعد مع مزيد من المشاهد؟ وما هو دورنا فيها، وما هي أدوار الآخرين؟ وإلى متى نبقى في صفوف المتفرجين نتلقى الصفعة على خدنا الأيمن فندير لصافعينا خدنا الأيسر ومواقع أخرى من أجسادنا؟ بالله عليكم.. لو أن التي رفضت استقبال لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في جنين كانت دولة أخرى غير اسرائيل هل كان الأمين العام للأمم المتحدة يجرؤ على إلغائها؟! بالله عليكم.. لو أن الذين يحاصرون كنيسة المهد في بيت لحم كانوا عرباً أو أفغاناً أو جنساً آخر غير اليهود، وكان المحُاصَرون من ذوي العيون الزرق والبشرة البيضاء، هل كانت أمريكا والغرب وكنائس العالم كلها ستقف مكتوفة الأيدي هكذا؟! أسئلة نطرحها.. ونعرف الاجابة عنها.. لكننا نعرف أيضاً أننا نعيش زمنا رديئاً لا يحق لنا أن نسأل فيه أو نجيب كي نكون جديرين باحترام الرؤساء العظام الذين يملكون قرار السماح لنا بالتجوال خارج بيوتنا التي أصبحت سجوناً وإن لم يقف على أبوابها سجانون ذوو سحنة غربية، فقد أخذوا مواقعهم داخل نفوسنا التي غدت سجينة هذا الخوف والجبن والذل، وما عادت قادرة على الضحك ولا البكاء ولا حتى النفخ في الهواء.