سواء تم ذلك «بصفقة مشبوهة» كما يؤكد المحتجون والمعارضون أو باتفاق «انجاز تاريخي» كما تؤكد السلطة الفلسطينية، فإن فك الحصار عن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بعد 35 يوما دامية، من حياة الشعب الفلسطيني وما رافقها من مجازر بشعة بحق المدنيين والمقاومين المسلحين، يقرأها البعض بالسياسة على انها بداية العد العكسي للحملة المؤجلة على العراق. صحيح ان جولة ديك تشيني الى المنطقة قد منيت بالفشل ـ في الظاهر على الأقل ـ بسبب ما قيل عن معارضة شديدة واجهته من جانب صناع القرار العربي لدى مناقشته لأهمية التوافق بين الطرف الاقليمي والطرف الدولي لمعادلة الائتلاف الدولي المناهض للرئيس العراقي ونظامه. لكن الصحيح ايضا بأن خرائط المعادلة السياسية السيالة والمتحولة في العالم هذه الايام جعلت الوزن العربي ومعه الاسلامي بعد كل الذي جرى في فلسطين وما قبله في أفغانستان وما بينهما في آسيا الوسطى والقوقاز ان لم نقل ليس ذا اهمية فقليل الاهمية بالتأكيد. واذا كان صحيحا بأن العرب والمسلمين في الاجمال تمنوا لو ان الانتفاضة الفلسطينية صمدت أكثر لتعيق لمدة أطول تقدم القوات الغازية باتجاه عواصمهم وفي مقدمتها بغداد إلا ان الصحيح ايضا بأنهم قبلوا بالاجمال وعلى مضض التضحية بالمقاومة والانتفاضة مقابل فك الحصار عن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات باعتبار انه ليس بالامكان أحسن مما كان وان «ما لا يدرك كله لا يترك جله» وان «أبو عمار» الصامد رغم الجوع والحصار قد يكون الشفيع لهم سياسيا في معادلة الشعوب بين الجنة والنار! معادلة اقليمية جديدة الآن وقد آلت الامور الى ما آلت اليه فإن ثمة من يعتقد بأن الامريكيين الذين كانوا بأمس الحاجة لغطاء عربي واسلامي للبدء في المرحلة الثالثة من مخطط «مكافحة الارهاب العالمي» وبعد ما فرضته عليهم احتياجات الشراكة الاستراتيجية مع اسرائيل لاضافة مرحلة انتقالية طويلة وصعبة فوق ارض فلسطين، كانت بمثابة المرحلة الثانية التي تشارف على الانتهاء مع بدايات الفصل السياسي من عملية الاجتياح الشارونية الكبرى هم اليوم في غنى عن هذا الغطاء العربي والاسلامي للاسباب التالية: أولا: لقد ضعف دور الانظمة العربية والاسلامية كما دور الجماهير العربية والاسلامية بما فيه الكفاية بعدما استهلك جله في أروقة السياسية وشوارع الغضب فيما تروض ما تبقى أو سيروض في سياق الصفقة أو الانجاز التاريخي لا فرق في ذلك. ثانيا: في هذه الاثناء كان الوقت كفيلا بتبلور اجواء معادلة اقليمية جديدة في غاية الاهمية والخطورة «فيما وراء النهر» كما تسمى المنطقة ايام الخلافة الاسلامية الغابرة وما يسمى اليوم بآسيا الوسطى والقوقاز بما يؤمن الدور البديل للدور العربي فضاء وقواعد عسكرية وتحالفات اقتصادية (نفطية وغيرها) واستراتيجية وأمنية تساهم فيها حتى روسيا الخجولة اليوم حتى من صداقتها الاعلامية والسياسية للعراق وايران. ثالثا: تعاظم الاحتياج التركي المتزايد في اتكائه على الشراكة مع اسرائيل بدلا من العرب والايرانيين الى دور الامريكي المنقذ له من مصير مظلم يشبه الحالة الارجنتينية كما تفيد التقارير الخارجية من أنقرة. الأمر الذي يجعل من تركيا أكثر استجابة واستعدادا للعب الدور الذي لعبته باكستان في الحرب على الطالبان وافغانستان. هل يعني هذا ان الحرب قد انتهت في فلسطين؟ وان شارون قد تمكن من اجهاض الانتفاضة؟ بالتأكيد لا، لا الحرب انتهت، ولا انتصر شارون فالسلام بعيد وبعيد جدا عن فلسطين كما عن منطقتنا العربية والاسلامية وما تركته مجازر جنين ونابلس وغيرها كفيلة بخلق جيل أكثر حماسا واندفاعا للقتال والجهاد والاستشهاد، ومصير شارون الرحيل قتلا أو كمدا عاجلا كان ذلك أو آجلا، هذه هي احكام التاريخ وحكم السنن الكونية ولا تبديل فيها الى قيام الساعة. لكن ذلك من التقدير السليم للموقف والاستعداد له. المعركة واحدة المطلوب رأس الحاكمين في بغداد بأي ثمن في المرحلة المقبلة وبعدها أو بموازاة ذلك ترويض طهران او الاطاحة بنظامها اذا ما اصرت على البقاء خارج السرب مغردة بلاءاتها المعروفة، لا سيما الخاص منها بالملف الاكثر جدية وسخونة وهو ملف القضية الفلسطينية. هل هذا قدر لا مجال لمقاومته؟! او التمرد عليه أو تغييره؟! بالتأكيد لا، لكن الامر المتيقن بأن مقاومة او تغيير هذا «القدر» او التقدير يتطلب اولا وقبل كل شيء كما اسلفنا التقدير السليم والصحيح للموقف ولموازين القوى، ومن ثم التغيير الضروري والملح لصورة العلاقات الثنائية والمتعددة بين الاقطار العربية والاسلامية واعتبار المعركة واحدة لا تتجزأ بين فلسطين والعراق وايران وسوريا وسائر الساحات العربية والاسلامية. صحيح اننا لسنا طلاب حرب وصحيح اننا لا نريد عداوة أحد، وصحيح اننا نريد بل ونلح على ضرورة نزع التوتر في علاقات بلادنا الخارجية، واننا نسعى للسلام العادل والشامل و...لكن الصحيح ايضا بأننا لسنا نحن الذين نسير العالم أو نتحكم في مساراته. كما اننا الحلقة الاضعف في موازين القوى الدولية لاسباب باتت معروفة، مما جعل الاعداء يطمعون في بلادنا. الآن وقد حصل كل الذي حصل، ألم يئن الاوان لنراجع بعض سياسات الانعزال والفرقة القطرية أو القومية أو المذهبية أو غيرها لعلنا نساهم في اعادة صياغة معادلة اقليمية ومن ثم دولية تجعل العدو يحسب الف حساب قبل ان يتجرأ في الاعتداء على أي من اقطارنا؟عذرا مخيم جنين، وعذرا شهداء الانتفاضة وعذرا كل شبر من ارض فلسطين، اذ يبدو ان عليكم ان تدفعوا المزيد قبل ان يستعيد الوعي العربي والاسلامي وعيه وهويته التاريخية. ذلك هو قدركم على ما يبدو ان تبقوا في رباط الى قيام يوم الدين بصفقة أو بدونها وبانجاز تاريخي أو بدونه. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني