هل ما نراه الآن بالعين المجردة هو فقط قمة جبل الجليد.. وليس الجبل كله؟الحديث عن «صفقة واشنطن» التي بمقتضاها وافق ارييل شارون ـ دون تلكؤ او مماحكة على فك الحصار عن الرئيس عرفات مقابل موافقة عرفات على تسليم ستة فلسطينيين، خمسة منهم شاركوا في تدبير او تنفيذ اغتيال الوزير الاسرائيلي زئيفي والسادس متورط في تهريب أسلحة الى المقاومة الفلسطينية، او هكذا يقال. والسؤال الذي يطرح هو: هل هي صفقة قائمة بذاتها داخل اطار محدود ومحدد وأثر وقتي عابر ام هي الجزء الخارجي البائن من اتفاق اعرض ـ ولمدى طويل ـ لوضع نهاية للمقاومة الفلسطينية المسلحة. هناك تطوران يسترعيان النظر. اولاً: فجائية الصفقة نفسها فقد ظهرت بغتة على شاشة الاحداث مما اثار دهشة الناس في الوطن العربي وبينما كان الانتباه الجماهيري العربي مشدوداً الى مقر الامم المتحدة لمتابعة الجدال حول ارسال بعثة تقصي حقائق دولية الى مخيم جنين اقتحم شارون السياق الاخباري العالمي ليعلن ان الحكومة الاسرائيلية وافقت على مقترح من الرئيس بوش يتضمن كذا وكذا، سارداً بنود الصفقة.ولم تتوقف المفاجأة عند هذا الحد فقد رشح لاحقاً ان الرئيس عرفات كان منهمكاً في اجتماعات مع قنصلي الولايات المتحدة وبريطانيا في شأن الصفقة وكيفية تنفيذها على الارض. ثانياً: جاءت الاخبار بعد ذلك لتفيد بأنه جرى ترتيب اتفاق عريض بين الولايات المتحدة واطراف عربية رسمية حول ما أطلق عليه «تقاسم المهام»: يقوم الطرف الامريكي بالضغط على شارون بسحب قواته من الاراضي الفلسطينية بينما يتولى الطرف العربي امر الضغط على عرفات «لوقف العنف». هل نذهب بعيداً اذن اذا استنبطنا ان «صفقة واشنطن» مرتبطة عضوياً باتفاق «تقاسم المهام»؟ والدليل القرائني على ذلك هو السرعة التي وافق بها شارون على الصفقة فقد ظل معلوماً طوال فترة الحصار الاسرائيلي الطويل الذي كان مضروباً على الرئيس عرفات ان شارون لن يقبل نظير فك الحصار الا بثمن كبير. هل يمكن اذن ان نعتبر ان «صفقة واشنطن» واتفاق «تقاسم المهام» مكملان لبعضهما البعض لاسدال الستار على مرحلة المقاومة الفلسطينية المسلحة؟ان الصورة العامة ليست واضحة تماماً بعد ويبدو ان ما يجري في الخفاء من اتصالات ومساومات وضغوط اكثر بكثير مما هو مذاع. لكن رغم الغموض فإن الامور سوف تكشف عن نفسها بنفسها خلال الايام القليلة المقبلة من خلال ما يصدر عن الرئيس عرفات من اقوال وافعال بعد ان صار طليقاً. ان ما ينتظر الرئيس الفلسطيني كثير ومعقد فهو سوف يجد نفسه مطالباً بالعمل الفوري في عدة جبهات في آن معاً والخطوات التي يتخذها او يعلن عنها على صعيد جبهة او اخرى سوف تبين في اي اتجاه يتجه الشأن الفلسطيني. على الرئيس عرفات اولاً، كما قال مساعدوه، ان يعيد تشكيل طاقم القيادة وسوف نعلم ما هي اولوياته من خلال نوعية الشخصيات التي يقوم بانتقائها: هل تكون تلك الشخصيات التي تحظى برضا واشنطن؟ وبعد ان يجري اعادة تشكيل الطاقم القيادي فعلاً سوف نعرف لاحقاً كيف يريد عرفات من خلال طاقمه التعامل مع قيادات فصائل المقاومة المسلحة ابتداء من فصيل كتائب شهداء الأقصى التابع لتنظيم «فتح» هل يتعامل معهم كرفاق نضال ام كخارجين على القانون؟ ان المشهد الفلسطيني الماثل امامنا الآن بعد اربعة اسابيع من حملة الابادة الاسرائيلية يفيد بأن اراضي الحكم الذاتي المفروض ان تكون خاضعة لسلطان السلطة الوطنية الفلسطينية قد اعيد احتلالها عملياً مما يعيد الامور الى المربع الاول لما قبل مرحلة «اوسلو» في الوقت نفسه يقضي اتفاق «تقاسم المهام» بين ادارة بوش واطراف عربية فاعلة «بوقف العنف» الفلسطيني فكيف يعيد عرفات طرح نفسه كزعيم للشعب الفلسطيني ازاء هذين المتناقضين؟ هل يعود كبطل وطني لاستئناف قيادة النضال ضد القوة الاحتلالية ام يعود كحاكم تنحصر مهمته في قمع المقاومة باسم مكافحة الارهاب والعنف خاصة وقف العمليات الاستشهادية؟ أكرر.. لا مناص من التريث لمعرفة ما تأتي به الأيام.