منذ البداية كان المخطط واضحا.. احتجاز عرفات ووضعه تحت الحصار وتسليط الأضواء على ذلك، بينما العمل الحقيقي يجري في الخارج بالاجتياح الكامل للمدن الفلسطينية، وقصف المنازل وهدمها على من فيها واقامة المذبحة تحت الرعاية الأمريكية للقضاء على المقاومة الفلسطينية بالقتل أو الاعتقال بدعوى اجتثاث البنية التحتية للإرهاب وهو الغطاء الذي اختاره شارون وبوش لعمليتهما المشتركة في فلسطين. ومنذ اللحظة التي أعطى فيها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني اشارة البدء للعملية اثناء جولته في المنطقة وخلال اجتماعه بمجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر المختص بشئون الأمن.. كان أساس العمل هو الدعم الأمريكي الكامل للعملية والحماية الكاملة لها سياسيا وعسكريا، وعدم انتهائها الا بعد أن تكمل المهمة وتحقق المطلوب.. لإسرائيل ولأمريكا. وإذا كانت الحسابات الأمريكية قد ارتبكت قليلا اثناء سير العملية.. فلم يكن ذلك بسبب موقف النظم العربية لا سمح الله، ولا لسبب استيقاظ مفاجئ للضمير الأمريكي وانما بسبب مقاومة بطولية للشعب الفلسطيني عطلت الغزو الإسرائيلي، وبسبب مذابح وحشية كانت (جنين) رمزا لها أيقظ الرأي العام العالمي على حقيقة مايجري في فلسطين رغم كل حملات التضليل التي يقوم بها الاعلام الأمريكي والعصابات الصهيونية. ارتبكت الحسابات الأمريكية قليلا لهذه الأسباب، ولكن الهدف لم يغب عن عين الإدارة الأمريكية، والتصميم على انهاء العملية لم يفتر، وكل ماحدث هو تقديم بعض المهدئات لأنظمة عربية تصرخ مستغيثة من عواقب الأمور وغضب الرأي العام، واطلاق بعض التصريحات الملتوية، وايفاد وزير الخارجية في رحلته السياحية، وفي الوقت نفسه تطوير الهجوم وتمهيد الساحة لعمليات قادمة تطال اجزاء أخرى في الوطن العربي.. حيث أصبح (الارهاب) ليس مسئولية عرفات أو القيادات الفلسطينية أو حتى المدنيين الفلسطينيين فقط، بل هو مسئولية العرب جميعا وعليهم أن يضعوا أنفسهم في خدمة أمريكا بلا قيد أو شرط، وأن يقوموا بواجبهم في اجتثاث كل منظمات المقاومة التي أصبح العرب جميعا مطالبين بإدانتها باعتبارها ارهابا يمثل الخطر الأكبر على اسرائيل وبالتالي على أمريكا.. وبالتالي على العالم كله باعتبار العالم مملكة أمريكية خالصة! والآن.. وعملية الغزو لأراضي السلطة الفلسطينية تقترب من نهايتها المقررة سلفا، يبدأ اخراج الفصل الثاني من المسرحية، ويصدر الرئيس الأمريكي فرمانا بفك الحصار على عرفات بعد ان يسلم مناضلي الجبهة الشعبية الذين انتقموا بقتل وزير السياحة الإسرائيلي السابق السفاح رحبعام زائيفي، ومعهم أمين عام الجبهة أحمد سعدات، ومسئول السلطة الفلسطينية فؤاد الشبكي الذي اعتقلته السلطة بعد اتهام اسرائيل له بالمشاركة في عملية سفينة الأسلحة المهربة.. ليوضعوا جميعا في سجن تحت حراسة أمريكية بريطانية! وتقبل اسرائيل ويرضخ عرفات، وتجري المحاولة لتصوير هذه الخطوة على انها انجاز عربي حققته الدبلوماسية العربية (الحكيمة) (الهادئة)! وعلى انها تطور هام في السياسة الأمريكية نحو موقف معتدل! وعلى انها تنازل اضطرت اليه اسرائيل أو أجبرتها واشنطن على قبوله! ولأن المسرحية رديئة، والحقائق أكبر من كل عمليات التزوير، فقد شاءت واشنطن ان تكتمل الصورة ليقرأها العالم ويعرف، ويقرأها العرب ولا يفهمون أو لا يستطيعون ادعاء الفهم. فالخطوة الأمريكية تأتي في الوقت نفسه الذي كانت دبابات اسرائيل تشق طريقها لاقتحام مدينة الخليل، والطائرات الأمريكية تدك منازلها، ومأساة (جنين) تتكرر، وحديث الرئيس الأمريكي اثناء مباحثاته مع ولي العهد السعودي عن أن العمليات الإسرائيلية يجب ان تتوقف (الآن) يداس بجنازير الدبابات وصواريخ طائرات الفانتوم والأباتشي! والخطوة الأمريكية تأتي واسرائيل وأمريكا تقومان بعملية اذلال للأمم المتحدة، وترفض السماح لبعثة تقصي الحقائق التي قررتها المنظمة الدولية بدخول فلسطين الا بعد أن تضمن تحويلها الى «شاهد ماشافش حاجة» ولن يقول شيئا. فعمليات اخفاء اثار المذبحة مستمرة والضمانات المطلوبة تعني أن تكون زيارة اللجنة - إذا تمت - مجرد استيفاء للشكل دون أن يؤدي الى النتيجة المنطقية الوحيدة وهي محاكمة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا المذبحة النازية في جنين. والخطوة الأمريكية تأتي مع اصرار على الوقاحة السياسية من جانب الرئيس بوش حين يكرر مرة أخرى بأن ياسر عرفات لم يكتسب حتى الآن احترامه ولكي يكسب هذا الاحترام فعليه ان يتخذ خطوات حاسمة لإدانة واحباط وتصفية الأنشطة (الارهابية)!! وبالطبع لا يقصد بوش بـ (الإرهاب) ماحدث من مجازر في جنين، بل ماحدث من مقاومة للاحتلال ومن ادانة لمشاركة أمريكا في المذابح للشعب الفلسطيني. أي أن عرفات يخرج من سجنه ليبقى مع الشعب الفلسطيني داخل سجن أكبر هو الاحتلال الإسرائيلي والعدوان الأمريكي. ويخرج عرفات من سجنه ليكون مطالبا بتصفية المقاومة الفلسطينية باعتبارها ارهابا. ويخرج عرفات من سجنه بعد تسليم مناضلي الجبهة الشعبية للأمريكان والبريطانيين وهو أمر كان يمكن تبريره لو أن اسرائيل سلمته قاتلي (أبوعلي مصطفى) ليخضعوا للاجراءات نفسها، أما وقد تم الأمر بالصورة التي تم بها وقام عرفات (المحاصر) بمحاكمة مناضلي الجبهة الشعبية (المحاصرين) ثم تسليمهم للأمريكان والبريطانيين، فهو - مهما كانت الأسباب - قرار سوف يفتح الباب على مصراعيه لتنفيذ مطالب بوش وشارون بتصفية أي مقاومة وطنية فلسطينية، والا فستقوم أمريكا واسرائيل باستكمال المهمة وسيظل عرفات فاقدا لاحترام الرئيس الأمريكي بوش، وسيكون - بعد الافراج عنه - هو المسئول عن أي تقصير في اداء المهمة! لقد بدأت على أرض فلسطين مرحلة لعلها الأصعب في نضال هذا الشعب المجاهد.. فكيف ستتعامل معها الاطراف المختلفة؟ إن شارون لا يخفي أهدافه.. سحق المقاومة تمهيدا لفرض الحل الذي يصفي القضية الفلسطينية مع اقامة (دويلة) فلسطين في غزة وبضعة (كانتونات) في الضفة تحت السيطرة الكاملة لإسرائيل، واغلاق ملفات القدس وحقوق العودة الى الأبد، وفرض التطبيع الكامل على العرب جميعا ومعه النفوذ السياسي والسيطرة الاقتصادية والتفوق العسكري. والموقف الأمريكي صارم في وضوحه وفي عدائه للعرب وتحميلهم مسئولية مايحدث لهم وماسيحدث بعد ذلك.. فهم الرعاة الرسميون للارهاب في العالم، وهم الذين يهددون أمن اسرائيل الديمقراطية ويستفزون (رجل السلام) شارون، وهم الذين يمثلون الخطر الأكبر على سلام أمريكا والعرب، وقد آن آوان التعامل معهم بقسوة بعد أحداث 11 سبتمبر، ولن تترك أمريكا هذه الفرصة حتى تعيد رسم خريطة المنطقة بمايتلاءم مع مصالحها.. ومصالحها وحدها! وبناء عليه.. فإن اسرائيل ستجد كل الدعم لاستكمال مهمتها ضد الفلسطينيين، وستجد الحماية الكاملة لما ترتكبه من مجازر وجرائم الإنسانية، ولن يستطيع أحد أن يحاسبها الا اذا كان قادرا على حساب أمريكا نفسها على ما اقترفته من جرائم ضد المدنيين في افغانستان.. رغم اختلاف المواقف وفساد المقارنة! وبناء عليه.. فإن (الارهاب) الفلسطيني ينبغي أن يتوقف.. وعلى عرفات أن يبقى في فلسطين ولا يغادرها حتى يؤدي المهام الموكولة إليه. وعلى العرب جميعا ان يتحملوا مسئولياتهم في هذا الصدد، والا فالحساب قادم.. مع حزب الله في لبنان ومن يدعمونه في سوريا، ومع أي صوت يرفع نداء المقاومة في البلاد العربية أو الاسلامية، ومع كل من لا يفهم ان خياره الوحيد هو بين أن يكون مع بوش (وبالتالي مع شارون) أو يصبح في حلف الشر أو قوائم الارهاب التي اصبحت تتسع لما يكتب في الصحف أو يدرس في المدارس!! ويبقى السؤال: كيف سنواجه ذلك؟ هل بالاذعان أم المقاومة؟ بتقديم التنازلات أم بالاصرار على الحقوق؟ باعتبار ماحدث هزيمة ينبغي أن يدفع العرب ثمنها أم باعتباره صمودا ينبغي ان لا تذهب أرواح الذين ضحوا من أجله سدى؟ هل سنعود للبحث في اتفاقات ميتشل وتفاهات تينيت وكل هذا الكلام الفارغ الذي لم يكن يستهدف الا أمن اسرائيل ومصالح أمريكا.. أم أن كل ذلك قد جاوزته الأحداث ولم يعد هناك من سبيل لتسوية سياسية (إذا كان مازال امامها فرصة) الا بإقتحام المشكلة من أساسها وتقديم الحلول التي تعيد الحقوق وتفرض الشرعية الدولية. فلم يعد الهدف هو العودة لأوضاع 28 سبتمبر ثم الدخول في مفاوضات تستغرق دهرا وتنتهي بلا شئ، بل أصبح الحل السياسي الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية على كامل الاراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس الشرقية هو البديل الوحيد عن انفجار الموقف لعشرات السنين في صراع لن ينتهي الا بنهاية إسرائيل ككيان عنصري نازي مهما امتلك من قوة وماتوافرت له من امكانيات. لقد خرج عرفات من الحصار المفروض عليه ليجد نفسه امام استحقاقات كثيرة.. فماذا سيكون اختياره؟ طريق مانديلا الذي بقى في سجنه أكثر من ربع قرن رافضا ادانة المقاومة الوطنية أم طريق تقديم التنازلات من أجل استمرار المسيرة العرجاء لما سماه بـ (سلام الشجعان) التي انتهت عمليا على أطلال جنين ومع طعم الموت الذي لم يعد يعرف الفلسطينيون غيره في ظل (خيرات) أوسلو وبركات السلام وراعيه الأمريكي؟ ثم.. ماذا عن العالم العربي (شعوبا وحكومات).. هل ستكتفي الأنظمة بإقامة صلوات الشكر لأن (الأزمة) مرت بخير، و(الصديق) الأمريكي تدخل في النهاية، والحرج قد زال، وبعدها كل شئ يمكن علاجه؟ هل ستكتفي الحكومات بالمساعدات (الإنسانية) للشعب الفلسطيني الشقيق وكأننا نتحدث عن التضامن مع سراييفو أو منكوبي الزلازل في الفلبين؟ هل سنكتفي بتقديم بضعة ملايين تضيع أضعافها في صفقات سلاح مضروبة أو استثمارات خائبة في الدول الخارجية؟ أم أن الأمر أصبح قضية حياة أو موت بالنسبة للعرب جميعا، بعد أن اتضح حجم العجز الذي تعيشه الأنظمة، وحجم العداء الذي تواجهه، الأمة، ومقدار المخاطر التي تؤكد أن (جنين) لن تكون نهاية المطاف.. بل هي (المثال) الذي تقدمه أمريكا واسرائيل لأحوال مدن عربية كثيرة سيكون هذا مصيرها اذا لم تتغير أحوال الأمة اليوم قبل الغد. إن برنامجا للعمل القومي ينبغي أن يلتئم حوله الجميع قبل فوات الآوان. برنامج يؤكد على أمور سياسية في معالجة الأزمة ليكون ذلك هو المدخل لبرنامج أوسع للانقاذ القومي. وفي مقدمة هذه الأمور الأساسية: ـ عدم الرضوخ للضغوط الأمريكية التي تحمل العرب مسئولية الارهاب وتطالبهم باستحقاقات ذلك ان الارهاب صناعة أمريكية - اسرائيلية، وعلى العالم أن يحاسب قبل أن يسود قانون الغاب فيفتك بالجميع. ـ الاصرار على التفرقة بين الارهاب وبين حق المقاومة المشروع للشعب الفلسطيني وحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال. ـ التأكيد على ان الجريمة التي وقعت على أرض فلسطيني لن تمر بدون عقاب مهما كانت الضغوط الأمريكية ومهما زادت الوقاحة الاسرائيلية. ـ ان حصار اسرائيل الكامل فريضة قومية لم تعد تقبل المساومات، ومقاطعة أمريكا هو سلاح لن تتنازل الشعوب عنه، وستعرف الحكومات العربية الطريق اليه مهما تلكأت في الطريق، لأنها بدون ذلك ربما تكسب ثقة واشنطن ولكنها ستفقد الثقة والاعتبار عند شعوبها. ـ إن اعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي على الأرض العربية اصبح أمرا ضروريا بعد ان شاركت الطائرات الأمريكية في مذبحة الشعب الفلسطيني، وبعد اعلان واشنطن ان منظمات المقاومة العربية والدول الداعمة لها هي أهداف لضرباتها القادمة، وبعد أن أصبح العراق مستباحا للطائرات الأمريكية تضربه في أي وقت، وبعد أن أكد الرئيس الأمريكي ان شارون - بعد كل ماحدث - هو رجل سلام، وان اسرائيل - رغم كل مافعلت - هي الحليف الذي لا يمكن المساس به! ـ إن الرد على كل الابتزاز السياسي والعسكري الذي تمارسه أمريكا وحليفتها اسرائيل - هو الإدراك بأن كل مالدى العرب من امكانيات ينبغي تسخيرها لضمان الأمن العربي. ان تفعيل العمل المشترك العربي (عسكريا وسياسيا واقتصاديا) لم يعد خيارا بين خيارات، بل أصبح خيارا وحيدا ستحاسب الأمة كل من يتخلى عنه أو يضع العراقيل في طريقه. لقد عرفنا نتيجة (التوسل) لأمريكا أو (التسول) منها.. تلك السياسة التي بشرنا بها بعض المسئولين العرب الذين يدركون بلا شك ماذا يأخذ المتوسلون أو المتسولون في مآدب اللئام. وعرفنا نتيجة اهدار الطاقة العربية، وسياسات الرضوخ للاعداء وتقديم التنازلات المهينة. وعرفنا أيضا نتيجة سياسة الاعتماد على القوى الخارجية في ضمان الامن أو ضمان الانظمة أو حتى ضمان لقمة العيش.. حيث اصبح كل ذلك مرتبطاً بكلمة من سيد البيت الأبيض، والنتيجة هذا العجز المزري الذي فضحته الكارثة التي عشناها على أرض فلسطين. لقد فكوا حصار عرفات ولكنه مع شعبنا العربي الفلسطيني يعيشون تحت حصار الاحتلال الاسرائيلي والغطرسة الأمريكية. والأهم من ذلك أن كل الأنظمة العربية ستعيش تحت نفس الحصار حتى تتمرد على عجزها وتنتقم للهوان الذي تفرضه الهيمنة الأمريكية عليها، وتبدأ رحلة المواجهة مع النفس.. ومع العدو. هذا.. أو الصدام النهائي مع شارع عربي رافض الهزيمة ورفع أعلام المقاومة، وآمن - عن حق - انه لن ينسى ولن يغفر لكل من تسببوا في هذا الهوان. ـ نائب رئيس تحرير « الاخبار» المصرية