يختلط العام بالخاص في احيان كثيرة، وتؤثر معطيات الحدث السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مكان ما من العالم في قرارات دول وسياسات حكومات في اماكن مختلفة، وما ذاك الا لأن العالم اصبح بالفعل قرية صغيرة، او غرفة زجاج مكشوفة من جميع الجهات وعلى كل الجهات، ويأتي الاعلام، ولعبة السياسة الدولية، وتقنيات المواصلات على رأس العوامل التي قادت لهذه النتيجة. وبناء على ذلك فنحن لا نتصور ان يكون هناك من لايزال يحمل الفكر (الشوفيني) المتعصب لعرق او لجنسية معينة، معتقدا بتفوق هذه الجنسية او افضلية ذلك العرق، على غيره من الاعراق، بحيث يحمله هذا الاعتقاد الى انكار حقوق الآخرين او الاعتداء عليها او انكارها او الغائها نهائيا لصالح ما يعتقد ويؤمن به، وربما لايزال الجميع يتذكر نظرية تفوق (الجنس الآري اوالجرماني) التي آمن بها (أدولف هتلر) في الاربعينيات من القرن العشرين، وكيف آل امرها وامر صاحبها، وكيف قادته وقادت العالم معه الى هاوية الحرب العالمية الثانية، لولا هزيمته على ابواب مدينة ستالينجراد الروسية! لقد حاول كثيرون عبر عصور التاريخ الانساني ان يؤسسوا مدنا فاضلة من وجهة نظرهم لا وجود فيها سوى لعرقية معينة او مجموعة بشرية ذات خصائص ثقافية محددة، مثل مدينة الفلاسفة الفاضلة لأفلاطون، وامبراطورية (الرايخ الثالث) لهتلر، ومدينة العلماء، وتجمعات البيض المعزولة عن مدن السود او ما عرف بنظام (الابرتايد) او العزل العنصري في جنوب افريقيا سابقا! لكن كل هذه المحاولات انتهت الى الفشل، واصبحت اليوم مجرد علامات سيئة في تاريخ الانسانية، ذلك ان الله خلق الناس شعوبا وقبائل مختلفة، ومتناقضة ليتعارفوا ويتعاونوا على بناء الحضارة الانسانية، اما معيار التفاضل والتفوق والافضلية فمعروف لنا جميعا! هناك في هذه الايام من لايزال من الناس من يعزف على وتر التفوق العرقي او نظام العزل او الفصل بين السكان في المدن والمناطق على اساس الانتماء لجنسية معينة او عرق معين الى الدرجة التي أعطوا فيها لانفسهم الحق في ان يعلنوا وبصراحة ان مناطق معينة في البلد هي حكر لجماعة معينة، ولا يحق للآخرين ان يسكنوا فيها حتى وان كانوا يمتلكون فيها منازل وارضا منذ عشرات السنين، بل عليهم ان يرحلوا ويعوضوا بأراض اخرى في مناطق اخرى بعيدة، وهذا من اعجب ما يطرح علناً هذه الايام!! نحن لسنا ضد اي انسان يعلن رأيه بحرية، ونفهم في الوقت نفسه حسن نوايا الجميع، ونقدر وطنيتهم، وانتماءهم، ونعرف حماسهم في الحفاظ على الطابع الاصيل والهوية الثابتة للمجتمع، ولكن ذلك كله لا يبرر سلب حقوق اي مواطن، خاصة عندما تكون حقوقه ثابتة شرعا وقانونا، ذلك ان القانون في هذه الحالة واضح ونحن محكومون به وبمرجعيات ثابتة لا يجوز تجاوزها او القفز عليها ابداً ولعل اهم هذه المرجعيات: المرجعية الدينية والشرعية والدستور والقانون المعمول به في الدولة، وتوجهات الحكومة الرشيدة وحكمة أولي الأمر من حكام البلاد. اننا نعيش في دولة يتوفر فيها كل علامات التقدم والرقي، بفضل سياسات رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ونائبه صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، وبفضل تطلعات وآمال الانسان المواطن في هذا المجتمع، وما يتمتع به هذا الانسان من ثقافة عالية بعيدة عن العقد، ونبل اخلاقي وتسامح يشهد به الجميع، ولذلك كله، فان علينا جميعا ان نحافظ على هذا الثراء الانساني في مجتمع الامارات، وان حدث واختلف الناس في ارائهم ـ وهذا حقهم الطبيعي ـ فإن هذا الاختلاف لا يجب ان يقود اصحابه الى اقصى درجات التطرف والتعصب بحجة الولاء والوطنية والانتماء. انه لا وطنية ولا وطن يبيح المساس بحقوق اي شخص مهما كانت المبررات فما بالنا عندما يكون هذا الشخص مواطنا صريح المواطنة، واذن فما على المؤمنين بفكرة الفصل السكاني، سوى مراجعة انفسهم وفكرتهم والنظر الى البعيد والى ما يمكن ان تقود اليه، فمثل هذه الافكار لا تحمد عواقبها ابدا، وهي ليست من اخلاقيات مجتمع وانسان الامارات!