كأن لم يعد الا للقراءة يوم للاحتفال .. أوَ ليس في الأمر ضرورة ودهشة معا؟ حين قررت اليونسكو بلسان مديرها العام كويتشيرو ماتسورا يوما عالميا للكتاب، كانت على يقين بما في واقع الحال من عزوف عن تلك القيمة الجميلة. تحت اي حجة او سؤال، فإن ما فعلته «اليونسكو» صواب بصواب. اقله ان فيه تذكرة للذين يقرأون انهم احسنوا امرا جللا. وللذين لا يقرأون ان قد فاتهم ما يسدد العقل. ويحسن الخلق ويكمل فطرة الله التي فطر الناس عليها. وفي الزمن الذي نحن فيه، وقد سميناه زمن العولمة، صارت للدعوة الى القراءة فضيلة مضاعفة. حيث غزا الاستهلاك كل شيء، وغدا الناس والنخب ومنتجو المعرفة افرادا ومؤسسات ومجتمعات ودولا مأخوذين بما دعي ثورة الاتصال على اشكالها وألوانها ومزاياها وسجاياها التي لا تعد ولا تحصى. صارت التكنولوجيا العجيبة الغريبة وشاشاتها الصغيرة والكبيرة، المؤلفة بشتى الوان الطيف جدارا سميكا يفصل بين النفس وغذائها الطبيعي. كأنما اصبحت المعرفة التي تحاصر الجميع خلف جدران التكنولوجيا أشبه بـ «الكورتيزون» الذي يمنح الجسد هدنة عارضة ثم لا يلبث حتى يعود القهقري الى مواته البطيء. لا يعني هذا على الأكيد، التقليل من «عظمة» تلك «الثورة المعرفية» التي جعلت العالم كلا متصلا. والحق انها افادت البشرية في كل شأن من شئون تطورها وارتقائها، بل اكثر من هذا، فإن ما حصل من وثبات تكنو ـ الكترونية هائلة في قانون تاريخي لا يمكن تجاوزه برغبة او بادارة ظهر. غير ان ما ينبغي النظر اليه هو الوجه الآخر لذلك القانون، عنيت به الوجه الذي يرى الى الانسان في قيمه وحقوقه وابعاده الروحية والاخلاقية بوصفها الاساس الذي يجب ان يشيّد عليه العمران. ربما هذا هو الهدف العميق، البعيد لفكرة اليوم العالمي للكتاب، بل هذه هي القيمة العليا للفكرة التي جعلت يوما للقراءة وعيدا لها. لكن ماذا عنّا نحن العرب في يوم كهذا؟ على الأكيد، الأكيد، ان «اليونسكو» ارادت بهذا اليوم يوما عالميا شاملا، يوما للانسان بما هو انسان، هو ما ذهبت المنظمة اليه، يوم لشعوب ومجتمعات القارات الخمس. وليس يوما لشعوب العالم الثالث او الرابع فحسب، وهذا يعني ان الغربة عن الكتاب انما هي في الواقع غربة جامعة وإن على تفاوت بين انسان الغرب وانسان العوالم الاخرى. يقال وبكثير من الحدة، إنا نحن العرب لا نقرأ، وثمة من يمضي ليقوم باستطلاعات واستقصاءات ليبين حجم العزوف العربي الرهيب عن القراءة. وتبدو الصورة في هذا المجال على شاكلة كل القضايا التي تقترب من اسلوب «جلد الذات» منها الى بيان الحقيقة كما هي. صحيح ان ثمة عزوفا عن الكتاب وهذا له اسبابه البعيدة والقريبة. وهي اسباب لا يجوز فصلها عن السياق العام لمقولة التقدم والتأخر. كما لا يجوز النظر اليها كما لو انها علة مستحكمة في العقل العربي والنفس العربية ولا شفاء منها. يجب ان نعترف بأن ثمة ازمة في طريقة تعاطينا مع الكتاب. سواء على مستوى النخب او على المستوى الشعبي العام. لكن ينبغي ان نرى في مقابل هذا ان الباب ليس مغلقا كما يغلق باب الخطيئة بالشمع الأحمر. لست ارى الصورة كما يراها كثيرون منا على ذلك النحو السوداوي، فمادام الكتاب بين أيدينا، ومادام الكتاب ينتج في بلادنا ومن أهل البلاد نفسها فثمة متسع فسيح للتفاؤل. فلا شيء يمنع مجتمعاتنا العربية التي استوطنت تقنيات المعرفة ارضها وجوارحها والمؤسسات ان تبعث في الآفاق ما يعجز عنه الآخرون. كذلك لا شيء يحول دون جعل الكتاب رفيقا لنا في اليوم والليلة. وهذا يحتاج فقط الى اعادة اعتبار واعادة نظر.