عندما كسر ممثل مغمور في بداية الثمانينيات قاعدة الرئاسة الأمريكية ووصل الى البيت الأبيض بغرته اللامعة وشعره المصفف بعناية فائقة وبدلته الأنيقة، تندر الكثيرون في امريكا وخارجها وقالوا بأن البيت الابيض تحول الى استديو من استديوهات هوليوود العامرة، وأن الكثيرين من ممثلي الكومبارس باتوا يحلمون بدخول البيت الابيض من ابوابه الأمامية مثلما فعل زميلهم رونالد ريجان. هؤلاء وغيرهم لا يعلمون اسرار وخفايا اللعبة الامريكية ولم يفطنوا انها فيلم روائي قصير يحتاج لمن يدرك ابعاده الخفية، فالرئيس هناك هو بطل الفيلم الذي يصارع الأشرار ويتفوق عليهم وهو الخطيب المفوه والذكي المخطط والباحث المجرّب .. الرئيس هو نجم تلفزيوني وسينمائي بكل ما تحمل الكلمة من معنى لأن عليه ان يقرأ السيناريو المعد جيداً وعليه ان يحفظه عن ظهر قلب، فيصمت كلما دعت الضرورة لذلك ويصرخ كلما اراد المخرج تلك الصرخة الغاضبة، ويهدأ ويكون اكثر حنوا اذا تطلب الدور ذلك. وحتى لا نبتعد كثيراً عن اجواء هوليوود ولا يبتعد معنا رؤساء امريكا العظام نقترب من اجواء الدور الذي يلعبه الفنان بوش الابن لنرى كيف يتقن الرجل دوره. كان بوش في ظهوره الأول مثيرا للضحك وهو هنا لم يبتعد عن الممثل الآخر رونالد ريجان الذي كان ايضا يتعثر كثيرا في ذكر الاسماء حتى نصحه مستشاروه بأن يتغلب على مشكلته ومعاناته الدائمة بتحويلها الى سخرية مسلية. المثير ان بوش الابن لا يتعثر في لفظ الاشياء، بل في لفظ الكلمات، وقد نصحه مستشاروه باتباع نفس نهج الممثل رونالد ريجان كي ينجح، وهكذا حفظ الرجل سيناريو الناصحين فقال عندما استضيف في احد البرامج التلفزيونية الشعبية ابان الانتخابات الامريكية الاخيرة: «هاي انا جورج دبليو بوش، استطيع وبكل فخر ان اردد جملة كاملة دون ان اخطيء»! لقد استطاع بوش رغم اعاقته ان يتحايل على الأمة الامريكية ويكسبها مثلما تفعل افلام هوليوود فتحول الصعاليك الى ابطال واعلام .. ونجح مستشاروه في فهم تفكير المجتمع الامريكي الذي يعشق التسلية والنكتة والبساطة فأهدوه رئيسا بسيطا قريبا منهم. ولكن ماذا عن السياسة الخارجية وكيف يستطيع من لا يستطيع ان يهجي الأسماء جيدا وبشكل سليم ان يلقي خطابا متماسكا ومؤثرا؟ كثيرون يعتقدون ان التصريحات والكلمات المتناثرة التي يلقيها بوش كلمات غير مدروسة وان الضعف اللغوي الذي يعانيه ربما تسبب في مقولات غير مقصودة، بل ان الواقع يقول غير ذلك فكل كلمة يقولها بوش هي في الواقع مكتوبة ومحفوظة ومدروس تأثيرها وعمق دلالاتها .. وكل جملة او شعار يطلقه تم تأسيسه وكتابته بشكل يؤثر على متلقيه. وللرئيس بوش مجموعة من المستشارين المهمين ومنهم كارين هيوز اقرب المستشارين له والتي قدمت استقالتها مؤخرا وقد لعبت هيوز ابرز وأهم دور خلال الحملة الانتخابية التي خاضها، وكانت المستشار الاول والناصح الاقرب حيث كانت هيوز تقدم النصيحة له بالنسبة للموضوعات التي يتحدث فيها وطريقة الظهور امام الجمهور واسلوب مخاطبته. واضافة الى هيوز يقف مايكل غيرسون قريبا جدا فهو الكاتب الرئيسي لخطابة بوش وقد عمل معه منذ ايام حملته الرئاسية وكان سوية مع هيوز كاتب خطاباته الاكبر اهمية، حيث كان لديه وعي بالتاريخ واعتقاد قوي بمفهوم النزعة المحافظة الحانية، وقدرة على تمييز اللغة. وحتى نكون اكثر قربا لتلك الاجواء نعود لنرى كيف تم كتابة خطاب بوش الذي القاه بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر .. يقول مايكل غيرسون عندما ابلغتني هيوز بأن الرئيس يردد الخطاب قبل حلول الساعة السابعة وكنا وقتها في منتصف النهار اصبحت قلقا لضيق الوقت، لكنني اندفعت باتجاه الزميلين ماثيوسلولي وجون ماكونيل وقمنا بالتحضير للخطاب .. لم تكن لدينا مختصرات جيدة لكننا استفدنا من العمل الذي قام به جون غيبسون كاتب خطابات مجلس الأمن القومي واقترح احدهم جملة لن تخدعنا ادعاءاتهم بالتقوى، واضاف آخر «لقد رأينا امثالهم سابقا»، وهكذا كنا نصارع الكيفية التي نحدد بها مكانة طالبان في تاريخ الايديولوجيات الفاسدة فأسميناها الاكاذيب المنبوذة وكانت عبارة ركام رماد التاريخ صيغة مكررة ومستهلكة فاقترح احدهم عبارة «القبر الذي بلا شاهد» وتم صياغة الجملة بعد الاتفاق النهائي هكذا «وسيتابعون ذلك الطريق حتى نهايته في القبر المجهول للأكاذيب المنبوذة في التاريخ»! هكذا يصنع الامريكيون رئيسهم، يحولون الاعاقة الى فعل والتأتأة الى فصاحة وينقلب الأبيض أسود ويتحول الكذب الى حقيقة لا جدال عليها، ويصبح المعتدي بطلا والمعتدى عليه ارهابيا لأنه يقاوم الاعتداء .. فلا غرابة بعد ذلك ان يوصف شارون بأنه رجل سلام لأن الآلة الامريكية التي يديرها اليهود تريد ذلك ولأن هوليوود التي تصدر الممثلين وتخلق منهم نجوما وابطالا هي من يصنع الرؤساء فلا فرق بين وجه الرئيس ووجه الممثل في البيت الابيض، فهما وجهان لعملة واحدة تسمى اسرائيل!.