افاد مسئولون في الولايات المتحدة الامريكية بأن ادارة الرئيس بوش تقوم باعداد توجيه جديد لوزارة الدفاع الامريكية فيما يتعلق بهوية اهداف آلاف الاسلحة النووية التي تشملها، الترسانة الامريكية، واضعة تأكيداً اكبر على امكانية استعمالها ضد عدد محدود من الدول، هي الصين وكوريا الشمالية وبضع دول من الشرق الاوسط تعتبرها الولايات المتحدة مصدر تهديد لها. وقال اولئك المسئولون ان التوجيه الحكومي المقترح متضمن في مشروع تعليمات رئاسية قيد النظر في الوقت الحاضر. والقصد من هذه التعليمات هو جعل خطط الاستهداف النووي الامريكية تواكب النهج المعدل الذي اعتمده بوش في اواخر السنة الماضية حيال الاسلحة الاستراتيجية، ان قوائم الاستهداف النووي تضعها القيادة الاستراتيجية في اوماها والعملية سرية جداً وتبدأ العملية بوضع الرئيس على نحو موجز المعايير السياسية لاستخدام اسلحة نووية. ونشأ ذلك النهج الجديد عن وثيقة سرية تدعى «مراجعة للوضع النووي» وضعتها وزارة الدفاع الامريكية حول استراتيجية الولايات المتحدة النووية، وقد ارسلت الى الكونجرس في يناير 2002 وتوحي هذه الوثيقة بأن دولا من قبيل العراق وايران وسوريا وليبيا وكوريا الشمالية ينبغي ان تضاف الى خطط الاستهداف النووي التي تضعها الولايات المتحدة، وبأنه ينبغي استحداث اسلحة نووية تخترق طبقات من الارض لضرب الغرف والاماكن المحصنة تحت سطح الارض. ان وزارة الدفاع الامريكية، كما تذكر وثيقة «مراجعة للوضع النووي»، تسعى في عهد بوش الى تعديل اسلحة نووية قائمة والى انتاج اسلحة نووية تكون جديدة واكثر قابلية للاستعمال، منها قنابل نووية اصغر لتكون لها قوة تفجيرية اقل ولتنتج كمية اقل من الغبار النووي المتساقط. وفي الوقت نفسه تعمل وزارة الدفاع بجهد لتحسين الاسلحة التقليدية، وتقصد وزارة الدفاع الى استعمال الاسلحة النووية الجديدة ضد قوات الخصم غير النووية، بينما تشجع استحداث اسلحة تقليدية يمكن ان تستعمل ضد أهداف نووية. حاجز النار ان امكانية طمس الادوار التقليدية للأسلحة التقليدية والاسلحة النووية من شأنها ان تزيل حاجز النار بين حرب نووية وحرب تقليدية وهذه الامكانيات ترسل ايضاً رسالة الى دول من العالم النامي بأن الاسلحة النووية مفيدة عسكرياً. وتسعى الوثيقة الى تبرير القيام بتغيير في هوية الاهداف التي تستهدفها الولايات المتحدة. ويتجلى هذا التغيير في الابتعاد عن التركيز على سيناريوهات الحرب الباردة التي تتضمن التهديد الروسي. ويرد في الوثيقة تمييز بين حالات طارئة «فورية» اكثر احتمالاً وحالات طارئة «ممكنة» اقل احتمالاً. وتوجز الوثيقة سيناريوهات تعطي وزناً اكبر قد تستعمل فيها اسلحة نووية، منها نشوب صراع ضد الصين حول تايوان، وهجوم من كوريا الشمالية على كوريا الجنوبية، وتوجيه ضربات عراقية ضد اسرائيل وصراع ضد ايران او ليبيا او سوريا وهذه السيناريوهات تقع في الفئة الاولى من حالات الطوارئ وان من المحتمل اكثر مما كان في الماضي ان تتطلب هذه الدول خططاً لاستعمال الاسلحة النووية. وتؤكد الوثيقة على نحو خاص على الحاجة الى استحداث اسلحة نووية يمكن ان تستعمل في ضرب وتدمير غرف ومجمعات محصنة تحصيناً شديداً واقعة تحت سطح الارض ومتضمنة لمستودعات اسلحة كيميائية وبيولوجية ويمكن ان تكون الاهداف واقعة في العراق وايران وسوريا وليبيا وكوريا الشمالية ودعت «مراجعة» وزارة الدفاع الامريكية ايضاً الى دراسة استحداث جيل جديد من الاسلحة النووية لمهاجمة اهداف مضادة او مدفونة في اعماق الارض، بما في ذلك منشآت لتكديس اسلحة بيولوجية وكيميائية. وفي فبراير الماضي اخبر جنرال في القوات المسلحة الامريكية جماعة من اعضاء الكونجرس بأن دراسة ستدوم ثلاث سنوات بدأت باستكشاف طرق تحويل تصاميم نووية قائمة الى اسلحة تحمل رؤوسها أسلحة نووية وتخترق عمقاً معيناً من الارض. ونسب الى مسئولين في ادارة بوش في شهادة قدموها مؤخراً امام الكونجرس قولهم انه ليس لديهم خطط لبناء أسلحة جديدة وانه يمكنهم ان يكيفوا اسلحة قائمة لاداء مهام جديدة من قبل تفجير غرف محصنة تحت سطح الارض. ويسوق مسئولون في وزارة الدفاع الامريكية الحجة بأن الولايات المتحدة تحتاج، في عالم مليء بالتهديدات غير المتوقعة والدول الشريرة، حسب الوصف الذي استعمله هولاء المسئولون، الى مجموعة اكبر من الخيارات وتصف وزارة الدفاع الاسلحة النووية وغير النووية بأنها «منظومات الضرب الهجومي» التي يمكن ان تستعمل على نحو منفصل او مشترك في الهجوم وهذه المنظومات ركن رئيسي من مثلث جديد يشمل موارد هجومية ودفاعية وعسكرية صناعية. ويرد في الوثيقة ان «عنصر الضرب في المثلث الجديد الذي يتكون من منظومات غير نووية وأسلحة نووية يمكنه ان يوفر قدراً اكبر من المرونة في وضع وشن حملات عسكرية لالحاق الهزيمة الحاسمة بالخصوم. وقدرات الضرب غير النووية قد تكون مفيدة على نحو خاص في الحد من الضرر التبعي ومن تصعيد الصراع. ويمكن ان تستخدم اسلحة نووية ضد اهداف قادرة على الصمود امام هجوم غير نووي (على سبيل المثال غرف محصنة واقعة تحت سطح الارض او منشآت اسلحة حيوية) يمكن لمنظومات ضرب نووية وغير نووية ان تهاجم قدرات العدو على خوض الحرب وان تسهم بذلك في الحاق الهزيمة بالخصم وفي الدفاع عن الولايات المتحدة وشركائها الامنيين». وعلى الرغم من ان «مراجعة» وزارة الدفاع قد تبدو انها ليست خطة طوارئ للاستعمال الفعلي للأسلحة النووية فإنه يقصد بها ان تكون مصدر ارشاد للقرارات المتعلقة باستحداث هذه الاسلحة ودورها وتوزيعها خلال العقد المقبل. تحول استراتيجي خلال الحرب الباردة كان للأسلحة النووية دور ضخم في التخطيط العسكري الامريكي لم تبن وزارة الدفاع الامريكية ترسانة استراتيجية ضخمة لردع هجوم نووي على الولايات المتحدة فحسب، ولكنها احتفظت لنفسها ايضاً بالحق في استعمال اسلحة نووية لردع هجوم من دول حلف وارسو على اوروبا، لقد نشرت وزارة الدفاع الامريكية عددا كبيراً من الاسلحة النووية تضم قذائف عابرة للمحيطات والغاماً وشحنات نووية وفعلت الحكومة السوفييتية نفس الشيء تقريباً. ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة قل رواج فكرة ان من الممكن ان تستعمل الاسلحة النووية في خوض حرب، وبدا ان الحاجة الى استعمال تلك الاسلحة قد قلت وفي الولايات المتحدة بذل مناصرو تحديد الاسلحة جهوداً للقيام بتخفيض كبير في حجم الترسانات الامريكية والروسية ولازالة حالة التأهب عن القذائف ذات الرؤوس النووية وعلى الرغم من ذلك اصر اصحاب الموقف المتشدد الامريكيون على انه لا تزال الحاجة الى امتلاك اسلحة نووية قائمة. ان مخطط وزارة الدفاع الامريكية الجديد بشأن القوات النووية اثار نقاشاً نووياً جديداً ومهما داخل امريكا ومع حلفائها وفي دول اخرى حول انواع الاسلحة النووية التي ينبغي لترسانة الولايات المتحدة ان تتضمنها وحول الظروف التي ينبغي ان تستعمل فيها. لقد اثار هذا التقرير سؤالاً عما اذا كانت ادارة بوش تقوم بتخفيض عتبة استعمال الاسلحة النووية. فبخلاف قدر كبير من مناقشات تحديد الاسلحة في السنوات الاخيرة فإن هذه المناقشة ليست حول عدد الاسلحة التي تحتاج الولايات المتحدة اليها، ولكنها حول مسألة اكثر جوهرية وهي مسألة الظروف التي قد تستعمل تلك الاسلحة فيها، هل ينبغي للأسلحة النووية في عالم ما بعد الحرب الباردة ان يكون الغرض منها ردع هجوم بالاسلحة النووية او التقليدية على الولايات المتحدة؟ ام هل ينبغي استحداث اسلحة نووية من اجل شن الحروب، بما في ذلك صراعات ضد دول مخاصمة غير نووية؟ يبدو ان هناك تحولاً نحو تغيير المعايير الاستراتيجية السابقة التي في اطارها قد تستعمل الاسلحة النووية، والى التحرك صوب استحداث انواع جديدة اكثر فعالية من الاسلحة النووية قال ايفو دالدر، وهو متخصص في السياسة الخارجية في مؤسسة بروكينجس: «الآن قلبت السياسة رأساً على عقب انها جعلت الاسلحة النووية اداة لشن الحرب وليست اداة للردع واذا نظر المخططون العسكريون في خيار نووي في كل مرة يواجهون فيها تطوراً عسكرياً مفاجئاً تلاشى التمييز بين الاسلحة النووية والاسلحة غير النووية» وقال روبرت س. نوريس. الخبير في الاسلحة النووية في مجلس الدفاع للموارد الطبيعية: «عن طريق التأكيد على الدور الهام للأسلحة النووية تشجع وزارة الدفاع الامريكية دولاً اخرى على التفكير في ان من المهم امتلاكها ايضاً». وتاريخياً اشار مسئولون في الحكومات الامريكية الى ان الولايات المتحدة لن تستعمل اسلحة نووية ضد دول غير حائزة للأسلحة النووية ما لم تكن متحالفة مع دول نووية او رداً على ضربات تشتمل على اسلحة بيولوجية او كيميائية. في التطور السريع باتجاه نشوب حرب الخليج سنة 1991 حذر بوش الاب صدام حسين من ان اي استعمال لاسلحة بيولوجية او كيميائية ضد الولايات المتحدة او قوات التحالف قد يؤدي الى «اقوى رد ممكن» وهي عبارة تفسر تفسيراً واسعاً بأنها تتضمن انتقاماً نووياً. وجاء رد الفعل خارج الولايات المتحدة ايضاً على تغير السياسة الاستراتيجية هذا قاسياً سأل عضو في البرلمان الروسي: «عما اذا فقد الامريكيون بعض الاتصال بالواقع الذي يعيشون فيه». وقد تزيد هذه الوثيقة من حدة انتقاد الحلفاء للنهج الاحادي الجانب الذي يتخذه الرئيس بوش ولنهجه غير التقليدي ازاء تحديد الاسلحة، وهما النهجان اللذان يعتبرهما بعض الزعماء محفزين لزيادة انتشار الاسلحة النووية في بلدان تعتبر نفسها مستهدفة. وسعى مسئولون في ادارة بوش الى التخفيف من وقع الوثيقة ومن حدة الانتقاد الموجه اليها، واحتجوا بأن هذه الوثيقة وثيقة سياسية وبأنها ليست خطة عمل وبان القرار باستحداث انواع جديدة من الأسلحة لم يتخذ بعد. وقال كولن باول وزير الخارجية الامريكي على برنامج «واجه الامة» الذي تبثه محطة سي.بي.اس التلفزيونية ان التقرير مجرد تخطيط «مفهومي» اننا نستعرض دائماً خياراتنا العسكرية، واحد الاشياء التي يطالبنا الكونجرس بالقيام بها هو مراجعة وضع أسلحتنا النووية. ينبغي لنا جميعاً الا نندفع بحس ما بأن الولايات المتحدة تخطط لاستعمال اسلحة نووية في المستقبل القريب». ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية في الولايات المتحدة