ليس واضحا تماما ما اذا كانت معارضة غالبية دول النفط العربية والاسلامية استخدام النفط كسلاح سياسي تنطلق من اعتبارات دبلوماسية ام اقتصادية. اذا كان الدافع الحقيقي للتحفظ دبلوماسيا سياسيا فلا جدوى من اخضاع المسألة للمجادلة، لأن التجادل في هذه الحالة لن يكون له سوى قيمة تنظيرية أكاديمية. اما اذا كان التحفظ مبنيا على حسابات اقتصادية صرفة، فان القضية تصبح في هذه الحالة قابلة للمحاججة والمحاججة المضادة. حتى الآن لم تعلن دولة نفطية واحدة في العالم العربي والاسلامي اعتراضا سياسيا على استخدام النفط كسلاح (رغم ان هذا لا يعني ان الاعتراض غير موجود) وبما ان ما اعلن من اعتراضات بُني على حجج اقتصادية فاننا نحصر مناقشة القضية في جانبها الاقتصادي. تنحصر المعارضة الاقتصادية في حجتين: أولا: انه في حالة قيام دول النفط العربية والاسلامية بخفض صادراتها النفطية الى السوق العالمية بمقدار النصف مثلا، فان الدول المنتجة الاخري غير العربية وغير الاسلامية قادرة على تعويض النقص في المعروض.. فلن تنشأ أزمة امدادات اذن. ثانيا: انه في حالة خفض الصادرات النفطية فان الخاسر الاكبر سيكون الدول المنتجة نفسها وليس الدول الصناعية المستهلكة كالولايات المتحدة. على هاتين الحجتين يأتي رد موضوعي جدير بالتأمل، فعدد من الاقتصاديين المتخصصين في مجال البترول يتحدثون بلغة الارقام بأن الصادرات النفطية للدول العربية وحدها تبلغ نحو 15 مليون برميل يوميا.. وخفضها بنسبة النصف سوف يحرم السوق العالمية بالتالي من 7.5 ملايين برميل يوميا. فهل بوسع المنتجين غير العرب تعويض النقص بهذا المعدل؟ ولا يتوقف هؤلاء الاقتصاديون عند النفي بل يستشهدون برقم محدد. فالقدرات الانتاجية الاضافية للدول النفطية غير العربية تتراوح ما بين المليون والمليون ونصف المليون برميل فقط. «هذا يعني ان السوق العالمية سوف تحرم من ستة ملايين برميل يوميا على الأقل». هذا عن الجانب الانتاجي.. فماذا عن الجانب المالي؟ ان الدول العربية المعارضة لخفض معدلات التصدير النفطي العربي تقول ان هذا التخفيض سوف يرتد عليها ماليا. فالمنطق النظري البدهي يقول ان خفض الصادرات النفطية بنسبة النصف يعني انخفاض الدخل المالي بنفس النسبة. اليس اذن من الحكمة مواصلة التصدير النفطي بالمعدلات الراهنة فتتوفر اموال اكثر لمساعدة الفلسطينيين؟ والرد على المعادلة المالية هو ان حرمان السوق العالمية من ستة ملايين برميل يوميا (في حالة خفض الصادرات العربية) سوف يؤدي الى مضاعفة اسعار النفط العالمية.. بالتالي «لن يخسر العرب شيئا لأن خفض الصادرات سوف يعوضه ارتفاع الاسعار». وأقول ان الامر جدير بالتأمل لأن هناك شواهد سابقة تدعم هذه الملاحظات فقبل نحو ثلاث سنوات صعدت اسعار النفط العالمية بمقدار ضعفين فتجاوزت مستوى ثلاثين دولارا للبرميل عندما عمدت منظمة «أوبك» الى اجراء خفض كبير نسبي في اجمالي انتاجها النفطي. وقبل ذلك نذكر عهد «الفورة النفطية» في سبعينيات القرن الماضي، عندما أدى وقف الصادرات النفطية العربية الى تصاعد سعري جنوني من مستوى دولارين تقريبا للبرميل الى مستوى 36 دولارا أي بمقدار 18 ضعفا. ولكن للمعادلة وجها آخر ايضا فتصاعد اسعار النفط سوف يكبد دولة صناعية كبرى كالولايات المتحدة اذا كانت هي الهدف الاول المقصود باستخدام النفط كسلاح ـ خسائر قدرها الاقتصاديون بنحو ثمانية مليارات الى عشرة مليارات دولار شهريا. وتبقى حجة أخيرة لدى المعارضين وهي قولهم ان ظروف حرب 1973 التي بوشر فيها بقرار حظر النفط العربي الذي افرز «الفورة النفطية» تختلف عنه الظروف الراهنة من حيث ازدياد عدد منتجي النفط في العالم. هذا صحيح. لكن صحيح ايضا ان اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد ازداد في هذه الاثناء من نسبة 40% من اجمالي استهلاكها النفطي الى نسبة 60%. بالطبع لا ينبغي اخذ هذه الملاحظات الاقتصادية على قيمتها بأنها حاسمة لا تقبل النقاش. ولكن ألا تستحق على الاقل ان يتنادى وزراء النفط االعرب الى عقد مؤتمر خاص للنظر في هذه النقضية؟ وبهذه المناسبة نتساءل: أين منظمة الدول العربية المصدرة للبترول «أوابك»؟