كان الشيطان ينظر في المرآة ليطمئن على حاله قبل أن يبدأ مهمته الازلية.. غواية البشر.. اطمأن على أن قرنية يحتفظان بحدتهما، وأن عينيه تحتفظان بمكرهما.. وأن لحيته القصيرة لامعة.. لكنه قبل أن يغادر مخبأه ألقى نظرة على الصحف اليومية.. وراح يقرأ عناوينها الرئيسية.. رجل يصور زوجته في أوضاع مخلة ويبيع الشرائط.. مدير بنك يتسبب في اهدار نصف مليار جنيه.. مذبحة ترتكبها اسرائيل تقضي على حياة مئات الفلسطينيين.. ولم يكمل الشيطان قراءة الصحف.. وأمسك بورقة وقلم وقدم استقالته.. ليرفعها الى السماء.. معترفا بأن البشر الذين نذر نفسه لتحريضهم على الخطايا والجرائم ليسوا في حاجة اليه.. لقد تفوقوا عليه. إن الشيطان الذي ننسب اليه اخطاءنا وخطايانا منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وهو أصغر من أن يكون مسئولا عن كل ما يجري في العالم، هو أقل من أن نحاسبه أو نحاكمه عليه.. انه طفل رضيع، يشرب الحليب ويستخدم (البامبرز) بالنسبة لما نرتكبه باسمه ونيابة عنه. ان الشيطان - الذي نستعيذ منه ليل نهار - ليس له يد في الفضيحة التاريخية التي يرتكبها رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون في حق البشرية كلها امام كاميرات التصوير على الهواء مباشرة.. وليس له يد في أن يسقط في أفريقيا مليونا شخص ضحايا الحروب الأهلية.. بخلاف خمسين مليونا وغيرهم مهددون بالموت جوعا.. ليس له يد في أن يمسك الرئيس الأمريكي جورج بوش بقلم فلوماستر أحمر ويشخبط به على خريطة الدنيا.. فتزال دول.. وتولد أخرى.. لقد ترك الشيطان منصبه وقدم استقالته وهاجر بعيدا، وأصبح على العالم أن يبحث عن شماعة أخرى يعلق عليها مايفعل. وفي كتاب (من الذي يدفع للزمار؟) الذي يتحدث عن علاقة المخابرات الأمريكية بالثقافة وكيفية السيطرة عليها وعلى مبدعيها؟ نجد أن كلمة الشيطان حاضرة في كل المصطلحات والمؤامرات، ان الكتاب - الذي بدأنا الاقتراب منه في الاسبوع الماضي - وضعته فرانسيس ستونر سوندرز وهي مبدعة وباحثة بريطانية نجحت في التدليل على سطورها وكلماتها بوثائق مذهلة تنتهي بإدانة كتاب وشعراء وفنانين وتشكيليين كبار في العالم واتهامهم بأنهم كانوا عملاء للمخابرات الأمريكية ينفذون أهدافها ويحاربون الشيطان الأحمر الذي يؤرقها ويهددها ويكاد يسرق الكرة الأرضية منها. والشيطان الأحمر هو الاتحاد السوفييتي.. وهو غير الهندي الاحمر الذي سبق ان وصفه الأمريكيون بالشيطان الأحمر قبل ابادة قبائله.. وهو غير الشيطان الاصفر.. أو الصينيون وهو غير الشيطان الأسود.. أو الزنوج.. وهو غير الشيطان الأسمر.. أو الارهابيون القادمون من الشرق الأوسط.. ان الشيطان في الولايات المتحدة ليس شخصية مستوردة من الكتب الدينية وانما هو شخصية سياسية استراتيجية تخترعها العسكرية الأمريكية لتعيش على محاربتها.. وتحقق مصالحها من خلال القضاء عليها.. وهو ماجعل الضحايا يردون التحية بأحسن منها.. فقد اصبح اللقب الرسمي للولايات المتحدة في العالم كله هو (الشيطان الأعظم). لقد دفعت المخابرات الامريكية نحو 15 مليار دولار نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سقوط الاتحاد السوفييتي لمحاربة الشيوعية ثقافيا وفنيا وصحفيا ودعائيا.. والأهم من هذه الأموال الباهظة أن هذه الحرب الثقافية الباردة قد هددت المجتمع الأمريكي في أعز ما يملك.. حريته المقدسة في الاختيار والتعبير. ان المجتمع الأمريكي هو مجتمع مهاجرين يتناقضون ويختلفون في كل شيء من لون البشرة الى الزي القومي ومن العقيدة الدينية الى نوعية الطعام ومن نعمة الموسيقى الى تقاليد الزواج والطلاق.. ولو لم تصل الحرية في هذا المجتمع الى سقف عال يستوعب ذلك كله فإن هذه التناقضات والاختلافات تفجره وتفتته وتحوله الى شظايا متناثرة.. ولكن.. في ظل الحرية تصبح الاختلافات ميزة.. والتناقضات تنوع ثقافي وحضاري فريد. وقد كانت الحرية هي بقعة الضوء التي جذبت الفراشات والكفاءات والخبرات الى هناك فأضيفت الى الموارد الطبيعية الغنية مواهب بشرية وابداعية متميزة، وهكذا اصبحت الدولة البعيدة المحمية بما وراء المحيط امبراطورية سياسية واقتصادية وعسكرية هائلة. وعلى أن الشيطان الأحمر كان وحده القادر على ان يصيب الأمريكيين بالجنون والقلق والتوتر والخوف من أن تصل حمى الشيوعية اليهم.. وتسيطر عليهم، وهو ماجعلهم يتنازلون بسهولة عن تقاليد الحرية، ان التشجيع على الوشاية بالآخرين لم يكن من سمات المجتمع الأمريكي.. وحرمان الآخرين من التعبير عن أنفسهم لم تكن من هذه السمات أيضا.. لكن الحرب الباردة جعلت مواجهة الرأي بالقهر.. والوشاية.. والفاشية السياسية من تقاليد المجتمع الأمريكي.. وفي تلك الظروف ظهر طاعون المكارثية. المكارثية تنسب الى السناتور جون مكارثي الذي جعل التفتيش في العقول والضمائر بحثا عن الشيوعية لاستخراج الشيطان الأحمر عملية جراحية وسياسية وأمنية معتادة كتناول قرص اسبرين ودخول الحمام وقراءة ترتيل الصلاة في الكنيسة.. والفرجة في التلفزيون على شخصية (كابتن أمريكا) الذي تحول ببساطة من مصارعة النازيين الى كشف الشيوعيين.. وكان في كل مرة ينبه الناس: (احذروا الشيوعيين والجواسيس والخونة والعملاء)، (كابتن أمريكا وراءهم ومعه كل الأوفياء والشرفاء.. للقضاء عليهم.. حتى آخر واحد في تلك الحثالة الصفراء والحمراء). وكان يساعد مكارثي ثنائي رهيب هما روي كوهين وديفيد شيني.. والأول وصف بأنه شخصية بشعة والثاني وصف بأنه شخصية حقيرة.. وقد وضعا كتابا بعنوان (تعريف الشيوعية) كانت توضع نسخ منه بجوار الانجيل في غرف الفنادق في تلك الأيام. وقد قاما بجولة لزيارة مكتبات المراكز الثقافية الأمريكية في سبع دول أعلنا بعدها ان هناك 30 ألف كتاب من بين المليوني كتاب الموجودة على الأرفف مؤيدة للشيوعية وطلبا ازالتها، ولم تدافع وزارة الخارجية عن مكتباتها - التي يتردد عليها 36 مليون زائر سنويا - وأصدرت توجيهاتها بوضع أعمال مئات الكتاب والفنانين الأمريكيين في سلة المهملات، أو حرقها، إن بعض هذه الكتب سبق حرقها أيام النازية مثل (الجبل السحري) لتوماس مان.. و(نظرية النسبية) لألبرت اينشتين.. و(عشرة أيام هزت العالم) لجون ريد وكتابات سيجموند فرويد لقد (كانت الهيبة الثقافية الأمريكية تسحق تحت الأقدام). إن واحدا من أشهر ضحايا المكارثية هو توماس مان الحاصل على جائزة نوبل والمعارض الصارم ضد النازية.. وقد اكتشف - على حد ما نشر فيما بعد - إن كونه مواطنا أمريكيا لم يحقق له الحد الأدنى من الحماية.. إن ماوجده في أمريكا لم يختلف عما هرب منه في بلاد الشمولية.. الفاشية.. وبالحرف الواحد قال: (انه يتمنى ان يغادر أمريكا.. ذلك الكابوس المخيف المكيف الهواء). وقبض على (داشيل هاميت) بالسجن ستة أشهر لأنه رفض أن يكشف عن الذين اسهموا في دفع الكفالة المالية للشيوعيين الأمريكيين المقبوض عليهم.. ومنعت مؤلفاته.. وحرم من مصدر دخله.. ولم يشفع له انه خاض حربين عالميتين من أجل بلاده بينما كان جون مكارثي يقوم بتربية وتنمية عقده النفسية والسياسية.. ومات هاميت معدما هائما على وجهه يستجدي المارة ويفتش عن بقايا الطعام في القمامة ودفن في مقابر الصدقة بناء على وصيته.. وكتب على قبره: هنا يرقد رجل حولته بلاده من مبدع الى مخبول. ويصف أحد رجال المخابرات المركزية هو ليمان كيركباتريك تلك الأيام السوداء في بلاده: إن كل من هو ليبرالي كان موضع شبهة.. كان الجو يشبه ذلك الذي كان سائدا اثناء الثورة الفرنسية عندما كانت الاتهامات والمحاكمات تؤدي الى المقصلة.. وبينما لم تكن هناك مقصلة في أمريكا الا ان المصير كان أكثر سوءا بتدمير عمل الفرد وحياته وعلاقاته كلها.. ويكشف الرجل الذي كان في قمة المسئولية أيامها: إن المخابرات المركزية استقبلت في ذلك الوقت بعثات أمنية من دول مختلفة لتعلمها كيفية محاربة الشيوعية في أوساط المثقفين والمبدعين والسياسيين.. وكان الدرس الأول: إن كل مثقف ليس مع السلطة الحاكمة هو شيوعي حتى لو لم يكن كذلك.. كان الدرس الثاني: إن صعوبة التفرقة بين الليبرالية والشيوعية تجعل اعتبار كل المعارضين شيوعيين ولو ثبت غير ذلك.. وكان الدرس الثالث: ان تهمة الشيوعية يجب أن تكون تهمة جاهزة لكل خصوم النظام حتى لو كانوا لا يعرفون الفرق بين كارل ماركس ومارلين مونرو.. وكان الدرس الرابع والأخير: على أجهزة الأمن أن تضم خبراء في التشهير والدعاية السوداء ليروجوا شائعات ضد المعارضين من خلال شبكة العملاء والمتعاونين معها. ونجحت المكارثية في القضاء على رموز أمريكية شهيرة.. مارلون براندو.. شارلي شابلن.. هيلين كيلر.. جيمس دين.. ومئات من المخرجين وكتاب السيناريو في هوليوود الذين حوربوا في أرزاقهم الى حد أن معظمهم كتب بأجر أقل من أجره المعتاد بأسماء مستعارة وبأسماء آخرين لا علاقة لهم بهذه النوعية من الابداع، وفيما بعد.. بعد أن انقشعت تلك السحابة السوداء الكثيفة كشف أن ثلاثة أرباع الذين حصلوا على جوائز ابداعية لا يستحقونها، فقد كانوا واجهة لغيرهم ممن لم يقدروا على وضع اسمائهم على أعمالهم. لكن.. كيف ترك المبدعون الأمريكيون الأمور تصل الى هذا الحد المأساوي المدمر؟ كيف سكتوا ولعبوا دور الشيطان الأخرس حتى جاءت التروس الحادة على رقابهم؟ لقد كتب الروائي الشهير (جون شتاينبك) وحملة المكارثية على أشدها: (لو اننا قاومنا منذ البداية بدلا من الهرب لما كانت مثل هذه الاشياء قد حدثت).. وكتب الروائي الشهير أيضا (جون هنري فولك): (إن الشئ المرعب هو أن معظم أولئك الضحايا قد قبلوا أن يوصفوا بأنهم مذنبون.. وقد سكتنا جميعا.. فقد كنا نعتقد أن السكوت سيجعلنا في أمان). ومايقوله هنري فولك يشخص بدقة أشهر عيوب المثقفين.. وهي الفردية.. والأنانية والهروب من مساندة زملائه في الأزمات وكأن الدور لن يأتي عليه.. وكأنه هو الوحيد الذي سينجو من الطوفان.. ان سجن مبدع أو طرده أو اضطهاده أو تشريده يعني أن صفا من صفوف المقاومة قد سقط وحائطا من حوائط الصد قد انهار ويعني في الوقت نفسه أن باقي المبدعين سيلقون نفس المصير بعد أن أصبحوا في العراء. ولو كان الأمريكيون قد استيقظوا متأخرين قبل تجاوز الكارثة المكارثية فإن الشيوعية لم تسقط بضربات الرأسمالية ولا بحروبها الباردة وانما سقطت الشيوعية بسبب السرطان الثقافي الداخلي.. إن سياسة السور الحديدي التي اتبعها جوزيف ستالين حرمت الناس من حرية التعبير، وحرية التعبير ليست ضرورة لأصحابها بقدر ماهي ضرورة للنظم التي توجه اليها، فحرية التعبير بالنسبة للمعارضين تؤدي الى حرية التصحيح بالنسبة للنظم الحاكمة، وقد تحول الاتحاد السوفييتي الى سجن كبير ومعسكر اعتقال ليس للمواطن فيه الحق أن يتكلم أن يتحرك أو يصرخ أو يهمس أو يرفع رأسه الى السماء بالشكوى فأجهزة التصنت مزروعة في كل مكان حتى بين طيات السحاب. لقد انهارت الشيوعية من داخلها.. لم تعترف بحاجة الإنسان للحرية.. تصورت أن توفير رغيف الخبز يكفي وقهرت الزهور والشعراء وفرضت رقابة أمن الدولة على الموسيقى الشاردة وراحت أجهزة المخابرات تطارد فراشات الباليه الطائرة وفي نصف قرن كان ضمير تلك الامبراطورية الحمراء في المنافي الداخلية الباردة ومقابل علبة سجائر.. أو بنطلون جينز. أو زجاجة عطر فرنسية.. أو صورة للمغني الأمريكي الفيس بريسلي كان نصف الشعب السوفييتي مستعد أن يبيع كل مايملك من عقائد وتعاليم سياسية وأيديولوجية. لكن.. سقوط الاتحاد السوفييتي ونهايته لم يلغ دور المخابرات وأجهزة الأمن في السيطرة على الثقافة وتطويعها لأهداف السياسة.. لقد كان على الرئيس الأمريكي جورج بوش ان يعقد في يوم واحد - بعد ما جرى في 11 سبتمبر - اجتماعين في البيت الأبيض الأول مع هيئة الأمن القومي.. والثاني مع مخرجي وكتاب السيناريو في هوليوود.. وخصصت المخابرات المركزية في لحظة واحدة 400 مليون دولار لبناء شبكات اذاعية وتليفزيونية موجهة للعالم الاسلامي لمحاربة ما سموه بالارهاب.. وأغلب الظن ان جهود المخابرات المركزية والمباحث الفيدرالية هذه المرة كانت أسرع من غيرها.. فقد كتب 120 مفكرا ومثقفا أمريكيا بيانا يؤيدون فيه الحرب في افغانستان ويبررون لصاحب القرار في البيت الأبيض مايفعله في شعوب لا حول لها ولا قوة. إن المثقفين إذن فقدوا ضمائرهم فقل على أوطانهم السلام. ـ كاتب مصري