من طريف ما أورده الكاتب الأمريكي بوب وودوارد في كتابه الشهير «الحجاب» أن الرئيس الأمريكي رونالد ريجان كان يكره القراءة وكانت التقارير تعد له في صورة أفلام تسجيلية، وعندما كان يستعد لمقابلة رئيس عربي للمرة الأولى عرض عليه فيلم تسجيلي قصير جدا فحواه أنه «شخص فارغ» أصبح رئيسا بالصدفة، وترك هذا الانطباع بصمة على علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الدولة طوال حكم ريجان. وبعد احتلال العراق للكويت طلب من أكاديمي أمريكي من أصل عربي هو فؤاد عجمي أن ينصح جورج بوش الأب حول أفضل سُبُل التعامل مع العرب أجمعين، وفي أطوار التحضير لعملية عاصفة الصحراء طُلب من البروفيسور أن يعقد جلسة مع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب)، من أجل تثقيف الأخير سياسياً وسوسيولوجياً حول الذهنية العربية إجمالا ، وحول شخصية صدام حسين بصفة أخصّ. وقيل عندها إنّ بوش خرج من اللقاء متعجباً مكفهرّ الوجه، وقال لمساعديه ما معناه: يا إلهي! أراهن أنّ ألدّ أعداء العرب من الإسرائيليين ما كان سيصوّر لي الشخصية العربية على هذه القتامة! وعلى صفحات جريدة «الشرق الأوسط» اللندنية (15 ابريل 2002) قدم الكاتب الأمريكي: «دويل ماكمانوس» تحليلا لأثر صورة عرفات، مقارنة بصورة شارون، لدى الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن) في صياغة الموقف الأمريكي من العدوان الصهيوني على الفلسطينيين. ورغم أن هذا البعد الشخصي ليس الفاعل الرئيس في عملية صنع القرار فإن له أثرا لا يمكن إنكاره، وبخاصة مع نمط من السياسيين قليلي المعرفة. والبروفيسور الأمريكي نورتون ميرفنسكي أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة كونتيكت يريحنا من عناء تقديم البراهين والشواهد على أهمية هذه القضية فيصف الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش بأنه سطحي، وهو ما يعني أن أثر «الصورة» فيه مؤكد. هواية إهدار الفرص وحسب ماكمانوس فإن تجربة بعينها تركت أثرا عميقا في هذه الصورة، ففي ديسمبر عام 1998، قام الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن) - وكان ذلك قبل وصوله إلى منصب الرئيس - بزيارة إلى الكيان الصهيوني استغرقت ثلاثة أيام. وعند عودته للولايات المتحدة كان في ذاكرته تجربتان شخصيتان عاشهما هناك. الأولى، تتمثل في وقوفه فوق الهضبة التي ألقى المسيح موعظته منها في منطقة الجليل، والثانية، الجولة التي قام بها برفقة أرييل شارون الذي كان آنذاك وزيرا للخارجية. وفي تلك الجولة التي تمت بطائرة هليكوبتر، أطلع شارون بوش على حدود إسرائيل قبل حرب يونيو 1967. في الوقت نفسه، طلب بوش مقابلة ياسر عرفات، لكن الرئيس الفلسطيني لم يستجب لمطلبه، وهو موقف من المؤكد أنه لا يثير دهشة ماكمانوس وحده، كما أنه يشير إلى حالة كسل وقصر نظر تكاد تسم الأداء السياسي الرسمي العربي. والشواهد المماثلة أكثر من أن تحصى، بل إن أحد الإعلاميين الأمريكيين المعروفين سئل في حمى الاهتمام بظاهرة العداء الغربي للعرب وصورتهم في إعلامه، فقال: «أنصار إسرائيل يحاصروننا بدعايتهم من كل شكل ولون أما العرب فهم مجرد أشباح، فهل يمكن التعاطف مع أشباح ؟». وبطبيعة الحال أضاع عرفات بهذا الموقف فرصة سياسية ثمينة جدا. ومنذ ذلك الوقت، كما يقول مكمانوس، وعلاقات الرئيس بوش بكل من عرفات وشارون يحكمها نمط ثابت. فشارون يسعى للتقرب إليه، ونجح في كسب ثقته، ليس من خلال دعمه الكامل لسياسة الولايات المتحدة ضد «الإرهاب»، بل حتى من خلال صراحته حينما يكون مختلفا مع سياسات الولايات المتحدة. من جانب آخر، لم يستطع عرفات أن يقيم صلة مماثلة ببوش. فحسب أحد المقربين لبوش، لم يكن الرئيس الأمريكي يعرف أي شيء عن عرفات عدا كونه وقف إلى جانب صدام حسين في حرب الخليج الثانية، ضد بوش الأب. وفي نوفمبر الماضي، رفض الرئيس الأمريكي طلب عرفات لقاءه في الأمم المتحدة لتقديم الدعم للولايات المتحدة في حربها ضد «الإرهاب». وفي إطار لعبة الاختزال القاتلة التي تتعرض لها صورة العرب، يأتي هذا الجزء من حوار أجرته مجلة «نيوزويك» الأمريكية (23 فبراير 2002) مع إيفي إيتام وزير المفدال المتطرف، فعندما سئل: «كيف ستحل المشكلة في المدى البعيد ؟» أجاب: «سأعرض على الفلسطينيين حكما ذاتيا يتوسع بشكل تدريجي.. بإمكانهم التمتع بكل شئ يتمتع به المواطنون الإسرائيليون ما عدا ثلاثة أمور: لن يستطيعوا السيطرة على حدودهم الخارجية، ولن تكون لديهم أية منظمات مسلحة، ولن يسمح لهم بالتصويت. وعندما سئل: «البعض قد يسمي هذا نظام فصل عنصري ؟» أجاب: «يمكن للناس أن يصفوا ذلك كما يشاؤون، ولكن هذه الأوصاف ليست ذات معنى، عليك أن تتذكر أنه ليس هناك واحد من 100 مليون عربي في العالم يتمتع بحق التصويت الحر. نحن نعرف ما يحدث في كل هذه الدول العربية التي تحدث فيها انتخابات، إن هذه الانتخابات مجرد خيال»!! عون أم عبء ؟ وعبر مسار الصراع العربي الصهيوني يظل السؤال قائما: إلى أي حد كان النظام الرسمي العربي عونا للفلسطينيين في صراعهم ؟ وإلى أي حد كان عبئا عليهم ؟ ويكتسب التساؤل مشروعيته من حقيقة أن «صورة الفلسطيني» في الوجدان الغربي والصهيوني على السواء كانت - وما زالت - مرتبطة بصورة العربي، وما يتحمله الفلسطينيون (وحدهم تقريبا) محصلة صراع مرير دام بين حضارتين عمره أكثر من عشرة قرون. وإذا أخضعنا الدعم العربي الرسمي للمقاومة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني عموما لعملية تقييم مركبة تأخذ في اعتبارها المردود السياسي الإيجابي الكبير على صورة النظام الرسمي العربي، بوصفه نصير الحقوق الفلسطينية المدافع عن القدس أولا، ثم عن الحقوق الفلسطينية، مرورا بعمليات الاستخدام السياسي التي قامت بها بعض الأنظمة القومية لإسكات معارضيها باستخدام ورقة الصراع. إذا قمنا بهذا التقييم ربما اكتشفنا أن النظام الرسمي العربي كان في المجمل عبئا على القضية الفلسطينية، بصورته وسياساته على السواء، والاستثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها. فكثير من العواصم العربية شاركت لسنوات في لعبة الإملاء على التنظيمات الفلسطينية، وكثير منها حصل على أمجاد زائفة نتيجة ارتباط نظامه بها. وفي اللحظة التي أصبح الشارع السياسي العربي فيها تغلب عليه الصبغة الإسلامية غلب على فصائل المقاومة الفلسطينية الانتماء السياسي نفسه، فيصبح النظام الرسمي العربي عاجزا عن حجب تأييده لهذه المقاومة، وخائفا من نتائج منحها إياه في آن واحد!! إن من أهم نتائج الهجوم الإعلامي الغربي على كل ما هو عربي أنه سيدفعنا إلى تأمل هذه الصورة وصولا إلى إدراك تناقضاتها، ففي اللحظة التي تصبح فيها «الأصولية الإسلامية» ـ نتيجة عوامل داخلية وخارجية عديدة ـ أول أعداء النظام الرسمي العربي ستصبح فصائل مقاومة عديدة واقعة تحت تهديد عربي لا يقل وطأة عن التهديدات الصهيونية. فهل نسد بالديمقراطية هذه الثغرات جميعا، فيحصل الإسلاميون على درجة من حرية الحركة في إطار القانون تغلق الأبواب في وجه فتنة العمل السري، وتستكمل الأنظمة شروط المشروعية بالحصول على تأييد حقيقي من الناس، ونبني جسرا بين قناعاتنا التي تضرب بجذورها في موروثنا الديني ولا يستطيع أي حاكم عربي أن يتنكر لها، من ضرورة أن نتوحد ونؤكد هويتنا الحضارية العربية، وبين واقعنا المحكوم بالتغريب والتمزق على كل المستويات تقريبا ؟ هل نفعل قبل فوات الأوان ؟ وعندئذ من المؤكد أن الغرب لن يتحول موقفه منا من الكراهية إلى الحب، لكنه يمكن أن يتحول من الاستهانة والاحتقار إلى الاحترام، وهو تحول من المؤكد أنه يستحق الثمن المطلوب. ـ كاتب مصري