هل تعي الولايات المتحدة عمق النفق الذي ادخلت نفسها فيه؟ بعد احداث سبتمبر انشأ الرئيس الامريكي مؤسسة اعطيت صلاحيات امنية جبارة اطلق عليها مكتب الامن الداخلي، ورصدت لها ميزانية قدرها 38 مليار دولار لعام 2003 من اجل احيائها وضخ الروح فيها. في كل ساعة من ليل او نهار تتحرك عناصر من الحرس الوطني لحماية المطارات والمنشآت الحيوية على كل الارض الامريكية، بالاضافة الى مشاركة كل المؤسسات الامنية مثل FBI ووكالة الامن القومي وعناصر مختارة من الجيش والبحرية يبلغ تعدادها عشرات الآلاف من العناصر المدربة تدريبا عاليا لمنع تكرار الهجمات الاخيرة، وتغطي 250 طائرة مقاتلة الحدود الامريكية الشمالية يساندها 13000 عسكري تكلف الميزانية حوالي 50 مليون دولار اسبوعيا، عدا عن التكاليف الاخرى غير المرئية والمحسوبة. نشرت القوات الامريكية ايضا قوات في الفلبين لملاحقة جماعة ابو سياف المختفية في الادغال، ونشرت اعدادا اكبر من القوات في افغانستان وفي الدول المحيطة بها وعززت من قواعدها في المحيط الهاديء وفي تركيا، وأصبحت جميع السفن التي تجوب البحار المحيطة بمنطقة الشرق الاوسط في حالة طواريء دائمة، وكثفت من الاجراءات الامنية لحماية بعثاتها الدبلوماسية في الخارج، وعززت من دور مكاتب استخباراتها الخارجية، ووضعت الكثير من خطط الطواريء ودربت اعدادا كبيرة من التقنيين والكيماويين والعسكريين على احتواء الهجمات الجرثومية والكيماوية، وانشأت مؤسسات امنية لمراقبة حركة الاموال في العالم، وتغلغلت بقوة في الاجهزة الامنية للدول الاخرى، ودفعت الكثير من الاموال لشراء جواسيس في اغلب مناطق العالم الساخنة. ان المرء قد يتحدث كثيرا عن المتغيرات التي حصلت بعد احداث سبتمبر، والتكاليف التي تتكبدها الولايات المتحدة الامريكية ضربت سقفا غير محسوب من قبل، وكل ذلك بسبب اسرائيل. نعم اسرائيل التي امتصت الكثير من دماء دافعي الضرائب الامريكان، وها هي الآن تكبد الحكومات الامريكية المتعاقبة المزيد من تلك الاموال بسبب سيطرتها على آلية صنع القرار في الكونجرس والبيت الابيض، ولو فكر الساسة الامريكان قليلا فيما يحصل لتوجهت اصابع الاتهام الى ذلك الصهيوني الذي يفرك يده سعيدا بكل المجازر والخسائر والدماء التي تسيل في سبيل تحقيق مآربه. لقد استعدت الولايات المتحدة الامريكية كل شعوب العالم الاسلامي، وكان بامكانها ان تقوم بما تقوم به حاليا بدون كل تلك الخسائر لو لم تساند ذلك السرطان الاسرائيلي، ولم تخف جرائمه البشعة في حق الفلسطينيين والعرب والمسلمين. اليس هناك من يسأل، لم كل ذلك؟ في احصاء قامت به مؤسسة FOX NEWS بعد احداث سبتمبر وجد ان 65% من الشعب الامريكي طالب بغلق الحدود امام الاجانب لحين انتهاء الحرب ضد الارهاب، ومعنى ذلك ان الشعب الامريكي الذي عرف عنه انفتاحه وتنوع اعراقه بدأ يميل نحو الانكفاء الذاتي والانغلاق، وهذا قد يسبب له الكثير من الامراض العضوية التي تعاني منها الشعوب المنغلقة، فالولايات المتحدة فيها اكثر من نصف مليون طالب اجنبي ويزورها سنويا 4.4 ملايين رجل اعمال بالاضافة الى 23.25 مليون سائح و20% من اطبائها اجانب، وحوالي ثلث الحاصلين على شهادة الدكتوراه فيها ليسوا من مواليدها و26% من الحاصلين على براءة الاختراع فيها من غير مواطنيها، بعد كل هذه الارقام هل تستطيع هذه الدولة العظمى ان تغلق ابوابها وتخاصم نسبة عالية من سكان العالم؟ ان الولايات المتحدة نشأت كدولة عظمى ولم تمر بما مرت به الحضارات الاخرى، والسبب انفتاحها وجذبها لخيرة العقول واهتمامها بالتعليم وحرية التجارة، ولكن كل هذا قد يتغير بوجود ذلك الجو الامني المخيم على عقول ساستها بعد سبتمبر. ولنفكر في الامر قليلا، من المستفيد من كل ذلك؟ من الذي يريد ان يذهب العالم برمته الى الجحيم ويبقى هو مستمتعا برائحة الدمار؟ ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com