من تدمير نظام طالبان وتنظيم «القاعدة» في اراضي افغانستان، انتقلت «الحرب ضد الارهاب» بقيادة الولايات المتحدة الى اراضي فلسطين لتكون في خدمة الاجندة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، هكذا لخص الرئيس حسني مبارك الرؤية الامريكية الاسرائيلية المشتركة لما اطلق عليه «الحملة العالمية لمكافحة الارهاب»، وذلك في خطابه الصريح الذي القاه في «عيد العمال» العالمي. لقد ترجم الرئيس مبارك في خطابه ما ظل يعتمل في الذهنية الجمعية العربية منذ ان دشنت اسرائيل اعتبارا من اواخر مارس حملتها المسلحة ضد الفلسطينيين ـ قيادة وشعبا ومقاومة. والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه تلقائيا هو: ثم ماذا بعد؟ ماهي الخطوة التالية؟ لقد حذر الرئيس مبارك بصورة واضحة لا لبس فيها من ان الحرب الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ضد «الارهاب» ربما تفقد مصداقيتها في المنطقة العربية «بعد ان فشلت القوى الدولية في تنفيذ تعهداتها بشأن التوصل الى تسوية عادلة للصراع في الشرق الاوسط» وبلهجة اكثر صراحة قال مبارك انه ترتب على ذلك «توجيه الحملة ضد الارهاب لوجهة جديدة لتحقيق مكاسب سياسية لاسرائيل على حساب الدول العربية والاسلامية، واستخدام هذه الحملة لمحاولة القضاء على المقاومة الفلسطينية الشرعية للاحتلال الاسرائيلي لاراضيها بل ولتعزيز موقف اسرائيل الرافض للدخول في مفاوضات سياسية مباشرة لتحقيق الرؤية الدولية للسلام التي سبق ان اقرتها كافة القوى الدولية والاقليمية». ولاشك ان هذه الكلمات الصريحة القوية للرئيس مبارك سيكون لها صدى ودوي في كل من تل ابيب وواشنطن، مما سوف يفرز تساؤلا في عاصمتي العدوان: ماهي الخطوة العربية التالية؟ انه تساؤل له تساؤل مواز داخل العالم العربي نفسه وان كان من زاوية مختلفة، ولكي ندرك مغزى التساؤل العربي خاصة على الصعيد الشعبي يتعين علينا العودة للوراء قليلا. منذ ان كشر الرئيس بوش عن انيابه معلنا عزم الولايات المتحدة على اطلاق حملتها المتعددة الجوانب والاسلحة ضد «الارهاب العالمي» على اساس شعار «من ليس معنا فهو ضدنا» وحتى هذه اللحظة لم تشأ اي من القيادات العربية ان تطرح على الرئيس الامريكي ذلك السؤال الاساسي المحدد: «ما هو تعريف الارهاب؟». وفي غياب هذا السؤال افترض بوش ان الدول العربية والاسلامية سلمته شيكا على بياض فكانت النتيجة كما نرى: الولايات المتحدة تستثمر المعنى الفضفاض المشوب بالغموض لمصطلح «الارهاب» لتطبيق اجندتها بشأن العالم العربي والاسلامي، انطلاقا من الاهداف الاستراتيجية العظمى للحركة الصهيونية العالمية. الحلقة الاولى من المسلسل كان مسرحها افغانستان ولكي تضمن واشنطن تأييد الدول العربية والاسلامية للحملة الافغانية وجدت نفسها مضطرة لتبريد الوضع في الارض الفلسطينية، فلجأت الى فن العلاقات العامة. فقد عقد بوش مؤتمرا صحفيا اعلن فيه عبارة مبهمة لاتنطوي على اي التزام عن «رؤية» لدولة فلسطينية في المستقبل. وهنا كان الخطأ العربي الثاني: فعوضا عن قبول هذا التعليق العرضي الغامض الذي لم يحمل سوى قيمة اعلامية كان على الدول العربية والاسلامية ان تطالب الرئيس الامريكي بالتزام واضح وقاطع على صعيد دبلوماسي. ليس مدهشا اذن ان واشنطن بعد التأكد من انتصارها في افغانستان عمدت الى اعطاء ارييل شارون ضوءا اخضر ليتولى بنفسه الفصل التالي من حملة «مكافحة الارهاب» وهو كما نرى فصل خاص بالشعب الفلسطيني. ماهي اذن الخطوة العربية التالية بناء على تجربة الماضي الماثلة؟ بغض النظر عن اي توجه مستقبلي يمكن ان تتبناه الحكومات العربية والاسلامية فان مثل هذا التوجه يجب بالضرورة ان يكون مبنيا على الحقيقة الساطعة التي افرزتها التجربة.. الا وهي ان الولايات المتحدة شريك بالاصالة في الجريمة الاسرائيلية وسوف تظل كذلك الى اجل غير مسمى. اما اذا عادت الحكومات العربية والاسلامية الى مراهنتها التقليدية على «دور امريكي» فان معنى هذا ببساطة هو ان «الشيك على بياض» لم يسحب من يدي واشنطن.