منذ أن نجح اليميني المتطرف «لوبن» في الحصول على الأصوات الكافية التي وضعته في المركز الثاني في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية، وتؤهله لمنافسة الرئيس الحالي جاك شيراك، على رئاسة الدولة، وفشل رئيس الوزراء الاشتراكي جوسبان في هذه الانتخابات، والدنيا انقلبت رأسا على عقب وكأن ما حدث كان من قبيل المعجزة، أو أنه لم يكن متوقعا على الإطلاق، مع أن حالة اليمين المتطرف في فرنسا ليست الأولى من نوعها خلال السنوات العشر الأخيرة. فقد نجحت مجموعة من اليمين المتطرف في عدد كبير من الدول الأوروبية في تحقيق قفزات في الحصول على ثقة عدد كبير من الناخبين، نجد أول من حقق هذا النجاح، الحزب الليبرالي النمساوي بزعامة «يورج هايدر» عام 2000، بل واستطاع أن يفرض شروطه على الحكومة التي تشكلت بالتحالف معه، وحاولت حكومات أوروبا الديمقراطية تحجيم اليمين المتطرف تحت ضغوط من مجموعات «المصالح» المرتعبة من وصول اليمين المتطرف بكل ما يحمل من أيديولوجية معادية لكل ما يقف خارج حدود وطنها. سيرك الديمقراطية بعد محاولات فاشلة من جانب الاتحاد الأوروبي لتهميش الحكومة النمساوية لإجبارها على إبعاد حزب هايدر، قبلت وجوده ممثلا عبر الحكومة بشكل غير مباشر على أمل أن تكون هذه المحاولة إنذارا لشعوب أوروبية أخرى يمكنها أن تلجأ إلى الطريق نفسه كنوع من الاحتجاج الجماهيري ضد الأحزاب التقليدية وممارساتها غير الديمقراطية من خلال صناديق الاقتراع. لكن هذا الإنذار تحول إلى نوع من «ستار الدخان» لأنه في الحقيقة لم يكن مدعوما بخطوات عملية من جانب الأحزاب التقليدية نفسها تعيد السياسيين الى حظيرة الديمقراطية، وبالتالي الحصول على ثقة الناخبين، ونتيجة لهذا الفشل، كان حصاد الانتخابات في العديد من الدول الأوروبية خلال العامين الماضيين يصب في «القربة» نفسها التي كان ينفخ فيها المتطرف النمساوي هايدر: إعلاء شأن الوطن، إثارة الرعب بين المواطنين ضد ما هو غير وطني، العداء للأجانب، وبشكل خاص المهاجرين من الدول غير الأوروبية، أي ممارسة العنصرية العرقية واللونية، هذه الشعارات جذبت ما يقرب من 25 في المائة من الناخبين لتأييد الأحزاب اليمينية المتطرفة في تلك الدول: في روتردام مثلا، نجح اليمين المتطرف في الحصول على 17 مقعدا من مجموع 45 مقعدا، ولولا فشله في الفوز في مقاطعات أخرى مثل لاهاي وامستردام لكانت هولندا اليوم تحت إدارة حكومة يمينية متطرفة. في بلجيكا أيضا نجح الحزب الشعوبي «الفلامنكو» في الحصول على 30 في المائة من أصوات الناخبين تأييدا لبرنامج انتخابي يرفع شعار «الدفاع عن الجنس الفلامنكي» في مواجهة الأجناس الأخرى التي يتشكل منها الشعب البلجيكي. تحت شعار «معاداة» الأجانب والمثليين جنسيا حصل حزب «دانسيك فولكباتري»، في الدانمارك، على 12 في المائة من مجموع أصوات الناخبين المشاركين في الاقتراع..!. لذلك يمكننا أن نقول ان ما حدث في فرنسا قبل أسبوعين، وأثار الذعر بين الجميع يمينيا وسطا ويسارا كان متوقعا، وأشار إليه العديد من المحللين السياسيين الذين تنبهوا منذ فترة طويلة إلى أن الممارسة السياسية الديمقراطية في أوروبا الغربية تحولت إلى ما يشبه السيرك، الجميع يتسابقون من أجل الفوز بأصوات الأقلية التي تتجشم عناء الوقوف في طوابير الاقتراع بعد أن يئست الأغلبية من جدوى هذا العناء. وان كان الكثير من المحللين البارزين تحولوا مع وسائل الإعلام التي يعملون فيها إلى جزء من هذا السيرك القومي الذي يقام كل أربع أو خمس سنوات حسب كل حالة وكل دولة، وطبقا لما يمليه الدستور الوطني في كل منها. سياسات التسويق قبل عرض رأي هؤلاء الذين توقعوا وقوع ما حدث يجب أن نوضح أن وصول اليميني المتطرف «لوبن» يعتبر أحدى القواعد التي تقوم عليها الديمقراطية، لأن الحكم الوحيد في وصول حزب ما إلى حكم يؤمن بالديمقراطية ويقبلها نظاما سياسيا له هو المواطن، لكن تلك الديمقراطية الغربية أمرها عجيب، ترتعب من شخص يقبل قواعد اللعبة ويستخدم الوسائل نفسها التي تستخدمها الأحزاب التقليدية، وعندما ينجح في التفوق على تلك الأحزاب، يبدأ الصراخ والعويل والندب على ما أصاب الديمقراطية من سوء على أيدي المتطرفين. ولم يتوقف أي من مفكري وقادة الأحزاب اليمينية للإجابة عن سؤال بسيط: ماذا حدث حتى يتمكن شخص أو جماعة أو حزب من الاقتراب من قلوب من الناخبين الذين يفضلون التصويت له على التصويت للأحزاب التي اعتاد منح ثقته لها في الماضي؟ الإجابة ببساطة، ومن خلال القراءة المتأنية التي قدمها العديد من المحللين خلال السنوات العشر الأخيرة تشير إلى التالي: أن الديمقراطية كنظام سياسي ـ وان كانت النظام الأفضل بين أنظمة الحكم جميعاً ـ ليست نظاما متكاملا، ولكن به من العيوب ما يجعله قابلا للاستخدام لتحقيق أغراض وأهداف غير معلنة في البرامج التي تتقدم بها الأحزاب والمجموعات السياسية للفوز بثقة الناخبين. انتهى زمن العمل السياسي التطوعي النابع من الإيمان بأفكار مجردة، يبذل المرشح أو الحزب الذي يمثله أقصى جهد للوصول إلى الحكم لتنفيذ تلك الأفكار ووضعها موضع التنفيذ، هذا الزمن مضى وانتهى. خلال العقود الأخيرة تحولت السياسة إلى مهنة، وتحول السياسيون إلى محترفين لا عمل لهم سوى التفرغ للعمل السياسي، ولم تعد لا الأفكار ولا المبادئ ولا الشعارات هدفا في حد ذاتها، بل تحولت إلى وسيلة لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالأفكار والمبادئ والشعارات المعلنة. من خلال دخول عناصر لا علاقة لها بالممارسة السياسية الحقيقية، مثل شركات الدعاية والإعلان والاستشارة، تحولت مواسم الانتخابات إلى ما يشبه السيرك الذي يقام كل فترة وينفض دون أن يعرف الناخب أي من المرشحين الأصلح للجلوس على كرسي الحكم، فقد تحولت الممارسة السياسية إلى سلعة، وأحاط كل حزب نفسه بمجموعة من المتخصصين في مجال «التسويق» يصيغون مبادئ الحزب في شعارات براقة تخطف الأبصار دون أن تكشف عن حقيقة تلك الشعارات. من هنا أصبح كل شئ جائزا ما دام يوصل إلى الهدف المنشود وهو الوصول إلى كرسي الحكم وممارسة السلطة. لذلك كان الساسة خلال السنوات الأخيرة يمثلون أمام القضاء اكثر من مثولهم أمام البرلمان المفترض أنه المعبر عن رغبات الجماهير، ووصل الأمر في الكثير من الأحيان أن تفجع بعض الشعوب في سياسيين لهم مكانة عالمية حين تراهم يتحولون إلى مجرد مساجين، أو مطاردين من العدالة كما حدث مع جوليو اندريوتي وكرايسكي في إيطاليا. بل اصبح مألوفا أن يشاهد المرء شخصية هامة لها وزنها الوطني، ولعبت دورا في السياسة الدولية لزمن طويل، وقد تهاوت فجأة وتوارت في الظل كما حدث مع المستشار «هلموت كول» الذي تحمل عبء توحيد الألمانيتين في زمن قياسي لم يكن أحد يتوقعه، لكن فساده في الممارسة السياسية حكم عليه بالتواري في الظل. غياب الثقة هذه الممارسات جعلت من السياسة عملا غير محبوب لدى قطاع كبير من الجماهير التي فقدت بمرور الوقت ثقتها في السياسيين، وبالتالي فقدت ثقتها في الممارسة السياسية نفسها، ولم تعد متحمسة للوقوف في طوابير الاقتراع لتعبر عن رأيها، وتفرض اختيارها على لون الحكم الذي ترغبه، بل توارى معظم الناخبين وتركوا الساحة للقلة القليلة المهووسة بأفكارها، وتريد لها أن تسود، وعادة يكون هؤلاء من المتطرفين سواء من أقصى اليمين أو أقصى اليسار، حتى أصبحت الأرقام المعلنة عقب كل عملية اقتراع تصيب المراقب بالذهول، وأصبحت الحكومات الديمقراطية في الحقيقة ممثلة للأقلية وليست للأغلبية. نجد مثلا حزبا يحكم باسم أغلبية معلنة تصل إلى 35 في المائة فقط من عدد الناخبين، وان كانت الحقيقة تؤكد أن هذا الحزب حصل على نسبة لا تصل إلى 10 في المائة فقط، إنها مثل «حسبة برما» كما يقول المصريون، أو كما يقول المثل الإسباني «حسبة بائعة اللبن». النسبة المعلنة بحصول الحزب على نسبة 35 في المائة تعتبر نسبة وهمية، لأنها تشير فقط إلى ما حصل عليه الحزب من مجموع الذين أدلوا بأصواتهم فعلا، وليس مجموع من يملكون حق التصويت، ولو أننا عرفنا أن نسبة الامتناع عن التصويت قد تصل إلى 40 أو 45 في المائة، فان النسبة الحقيقية من الناخبين التي تختار حزبا ليحكم بالأغلبية قد لا تتجاوز 15 في المائة، لأن تعدد الأحزاب يجعل من الصعب على حزب واحد أن يحصل على نسبة تزيد على ذلك، وهذا هو «مرض» الديمقراطية الغربية الحقيقي. خلال السباق في التنافس على الحصول على ثقة الناخبين وبالتالي جذبهم إلى صناديق الاقتراع، أصبح كل شئ جائزاً استخدامه، حتى لو كان متنافيا مع المبادئ والأفكار المعلنة للحزب، ومرشح اليمين المتطرف «لوبن» وجد في استخدام التخويف من تأثير المهاجرين على الرفاهية التي يتمتع بها الفرنسيون وسيلة فعالة لجذب أصوات المتعصبين الفرنسيين الذين يؤمنون أن فرنسا فقط للفرنسيين، وأنه لا بد من حرمان من عداهم من التمتع بخيراتها..!. عندما استخدم لوبن تلك الشعارات لم يكن يرتكب مخالفة لقواعد الديمقراطية، بل كان يزايد فقط على الشعارات التي كان يطلقها منافسه على اليمين المعتدل جاك شيراك، والاشتراكي جوسبان، فقد استخدم كل منهما شعارات قريبة من تلك الشعارات لجذب مزيد من الناخبين. استخدم شيراك تزايد معدل الجرائم في فرنسا ليؤكد على فشل الحكومة التي يرأسها المرشح الاشتراكي في تحقيق الأمن، وكان رد جوسبان بالطبع على النمط نفسه، فبرزت على السطح مشكلة الأمن، وتخطت كل المشاكل حتى أصبحت الشغل الشاغل للفرنسيين، وكل ما فعله «لوبن» هو انه استغل مشكلة الأمن التي تضخمت بفضل وسائل الإعلام المتابعة للحملة الانتخابية، ولكنه أضاف تحليله الخاص بتحميل مشكلة «الأمن» للمهاجرين، مضيفا إليها مشاكل أخرى كمشكلة البطالة والرفاهية وغيرها من المشاكل المؤثرة في حياة الفرنسيين، يضاف إليها بالطبع قضايا الفساد التي تطارد كلا من شيراك وجوسبان خلال الأشهر الأخيرة، وبذلك ضرب لوبن عصافير عدة بحجر واحد. قطع الطريق على المتطرفين الذين يستغلون ثغرات الديمقراطية لتحقيق أهدافهم الخاصة لا يكفي البكاء والنواح وإثارة الرعب، بل يفرض على الأحزاب التقليدية أن تعيد النظر في الممارسة السياسية نفسها، لأن اليمين المتطرف هو نتاج ديمقراطي ولا يختلف في أي شئ عن الأحزاب التقليدية. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا