ليس الوعي سوى قرار صعب التكوين والولادة، ولكنه حين يأتي فليس له سوى تفسير واحد، ان تغادر أسرة الكسل والخمول الحضاري الضارب في نخاع المحيط بشراسة، يساعده على ذلك، استمتاع المحيط واستسلامه الذاهب في غيبوبة مريضة . هذا الوعي اذا اعلن ميلاده واعطاك بطاقته، فانك تملك دون ان تدري طاقة هائلة، تجعلك مشرعا وبحرية على كل الطرقات الصاخبة بالمدن والبشر، وتحديدا طريق الحقيقة، وتؤهلك بشكل فائق للنفاذ الى ما وراء جدران الاسمنت والنوافذ المغلقة وثياب البشر الكثيفة والكئيبة. يحولك وعيك بشكل يومي الى تهمة مسافرة في كل الاتجاهات والعيون، فانت متهم ـ وبسبب هذا الوعي ـ بحب النكد، والنبش في الرماد بمتعة، وتقليب الاحجار لاستثارة ما تحتها، والنظر للعالم المحيط بعين الشك والسواد والاتهام دائما، حيث لا يعجبك العجب ولا صيام رجب! انت فقط من تعتقد بأن قذف الاحجار في البحيرات الراكدة يفجر قيامة الساكن اسفل البحيرة،وينصب ميزان الحساب لكل الغافين ببلادة يستنشقون الرطوبة والعفن دون حراك على ضفاف تلك البحيرات وانت من تؤمن ومعك بقية الكتيبة المؤمنة ـ بأن التقليب في رماد الذاكرة ليس القصد منه اثارة الاشجان وتذكر ما كان، ان القصد هو فتح الكتب والسجلات واجراء المحاكمات قبل ان يدهمنا الطوفان ونحن لم نبن سفينة النجاة، ولكننا نأمل مثل ذلك الغبي الازلي بأننا سنأوي الى جبل يعصمنا ساعة الغرق. لكن وعيك او تهمتك التي تلبستها،وجعلتها تميمة النجاة، لا تريدك ان ترمي بها جانبا ساعة تشاء، وان تتزين بها ساعة تقرر، فالوعي ليس رسما جداريا يمكن اقتناؤه من قاعة المزاد، لزوم المفاخرة والديكور ولن يكون ابدا. الوعي سلوكك اليومي الذي يشرحك دون ان تتحدث، يرسم تفاصيلك على وجه اليوم، في الشارع وفي العمل، في منزلك، وفي محل البقالة، في السفر، كما أول الدنيا وفي آخرها، في غرفة نومك وعلى تخوم الكون، وعيك هو رائحتك ووقعك وتوقيعك في كل لحظة، يزعق بوجود انسان جدف في أسفار كل الامم وشرب من ابجدياتها، حتى لونت دمه وصارت شكل مزاجه، فصار هو بنكهة كل الحضارات، انسانا، وبنكهة حضارته مواطنا ليس أسهل من ان تكون متحضرا، اذا تجاوزت عقدة واشكالية انسان اليوم المنفصم على امتداد الليل والنهار، يعظك بكل آيات الايمان، حتى اذا غادرك ضرب عرض الحائط بكل انظمة المرور والاشارات الحمراء، لانه يظن ان الدين شيء والسلوك شيء آخر.