نحتاج الى الحوار المستمر في أكثر من مجال حتى لا نبدأ مع الآخر بالسكين حيث نهاية البداية، وهو الذي يجعل صلاتنا بالآخرين يشوبها الكثير من التشويش والتشويه والبلبلة. في المنتدى الثاني للإعلام العربي كان هذا الأمر مطروحاً على جمهور منتقى ومنفتح كلياً على الآخر من الضيوف ومن شاركهم في الرؤى والتطلعات المستقبلية في معالجة القضايا العالقة بين الأمم والشعوب جميعاً. ولقد أكد جميع المشاركين في هذا المنتدى الحضاري ان فكرة الصراع غير مجدية إذا أردنا ان ننجح في احداث تغيير ايجابي في صورتنا النمطية لدى الأجهزة الإعلامية في الغرب. إن نمط العلاقة مع الغرب ينبغي ان يتحول من نظرة القاهر للمقهور أو الغالب للمغلوب وخاصة في الخطاب السياسي الذي يؤجج المشاعر المكبوتة لدى الشعوب التي تشعر بأنها دون الآخرين في المستوى، إن الحوار المتكافيء كفيل بأن يبني جسوراً قوية من العلاقات الندية وليس الضدية، من أجل ازالة أطنان من الركام أو طبقات من سوء الفهم وسوء النية بدل اختراق جدار سوء التفاهم والانطلاق من حسن النوايا الى درجة التبادل في المصالح واحترام المباديء والثقافات الخاصة لكل مجتمع على حدة. ضيوف الغرب في المنتدى أكدوا ان مجيئهم الى هنا ليس بهدف تغيير آرائهم ووجهات نظرهم بقدر الاستماع الينا، أي نحن الآخر في الشرق الذي لم يمارس النقد العلني للقادم من هناك وجهاً لوجه. وندرك جيدا بأن تغيير الآراء المبنية على سنوات من الخبرة العملية في شتى القضايا لا يتم في ساعات أو أيام قليلة وليس هذا هو المطلوب في هذا الوقت القصير، لأن اللقاء الدوري لتحقيق نوع من التواصل الفكري بين الشرق والغرب بهذا الأسلوب الراقي، هدف بحد ذاته يستحق العمل من أجله بكل ما لدينا من امكانيات فكرية وعلمية ومادية. الطرف الغربي لم يزل يطالب بتحرك الشرق للتعريف بنفسه جيدا في القنوات الإعلامية الغربية الى ان يتم انشاء جهاز إعلامي فعال يقدم الخطاب المباشر للغرب وبلغته المفقودة لدى العرب كافة. وهذا النوع من الحوار حتى يتم وينتهي بسلام، لابد من البعد عن نفس الكراهية والكراهية المضادة، فهذه الكلمة والاصرار عليها تبعد الطرفين عن نقطة الالتقاء وهو الخط الوسط الضائع اليوم بيننا وبين الغرب. اختراق الجدار الغربي ليس سهلا، وكذلك ليس بالمستحيل، والحوار عنصر مهم لأداء هذا الدور إذا استطعنا ازالة الحواجز النفسية من دواخلنا وألا نعود بالحوار الى نقطة اللاعودة ألا وهو السكين الذي لايزال يتحكم في مصير الكثير من الشعوب التي تشكو ظلم الغرب لها. الخطاب الغربي في هذا الحوار المنشود لم يزل يدين العرب في تقصيرهم عبر وسائل الإعلام التي تملأ الفضاء المفتوح، ولكن ليس من بينها وسيلة مناسبة أو متخصصة لتغيير صورة العرب أنفسهم لدى من يرون انهم لا يفهمونهم ولا يعرفون شيئا عنهم وعن طرق تفكيرهم مع الآخر. اتهم البعض الضيوف الغربيين بالازدواجية التي يتعاملون بها مع العرب، في الوقت ذاته، لا يستغني العربي عن الانسياق مع كل موجة حداثة في حياة الغربيين تقليدا أو قناعة وهي ذات الازدواجية التي نمارس بها سلوكا مرفوضا من الداخل ومقبولاً في العلن. وبناء على هذا دعا بعض العرب المشاركين في هذا المنتدى الى ضرورة الحفاظ على خصوصياتنا اثناء تعاملنا أو حوارنا مع الغرب الذي يراد الاستفادة من انجازاته دون التأثر بثقافته الخاصة كذلك. وهذا وفق مبدأ التلاقح الحضاري بين الأمم لا يمكن تحقيقه لأن التمازج والتلاقي والقناعة بما لدى الغرب من ميزات هو الذي يحكم مسيرة تقدم الشعوب في كل الاتجاهات الجغرافية في العالم الكبير. يريد البعض ان يتحفظ في تعامله مع الغرب، ويقع هو في ذات الفخ وإن كان تقليداً واضحاً في المظهر دون المخبر. إن هذا الجدار الغربي لا يشبه سور الصين العظيم وسور برلين الذي انهار في لحظات قوة الارادة، بل هو أرقّ من الشعرة، فهي بامكانها ان تقتل جميع المحاولات في الوقت الذي يمكن ان تكون سبباً في قوة التواصل.