استقرت صورته في الوجدان الصحفي العربي كحامل المصباح اليوناني ديوجين لايروس، الذي يطارد بشعاع نور مصباحه الظلمات ليبددها، مبشرا بميلاد فجر الحرية وسطوع شمس الحقيقة، ومنحازا طيلة حياته ـ أمد الله عمره ـ ودائما الى سلطان الكلمة في مواجهة كلمة السلطان، طالما جنحت عن الحق، هكذا رأينا الكاتب والصحفي كامل زهيري احد قناديل الحقيقة الساطعة في بلاط الصحافة العربية، وتوهج نوره في زمن ساد فيه حملة المباخر المتسولون لرضا اي مسئول واي سلطة، من الذين يبيعون اقلامهم ـ الصدئة ـ لقاء كرسي زائل، يسخر منهم ويهتز تحتهم، لأن قيمة الكرسي في حالتهم اعلى من هز الهم الثقافي. وجاء تكريم جائزة الصحافة العربية بمنح كامل زهيري جائزة شخصية العام في دورتها الثانية، دليلا اضافيا على نزاهة ووعي القائمين عليها، بعد ان منحت في دورتها الاولى للراحل البرلماني الصحفي المناضل في ساحة حرية الصحافة الكويتية سامي المنيس. ويربط بين زهيري والمنيس خيط من اليقين والصلابة في الدفاع عن اهم هموم الصحافة العربية، وهي قضية الحريات، التي تنتهك وتغتال، وربما ليس فقط من جانب اعداء الصحافة في معسكر الفساد والتبعية، بل ايضا من جانب بعض «طفيليات» الصحافة الذين يتعيشون ويزدهرون من تدجينها وتحويلها الى بوق للأكاذيب والدعاية الرخيصة. ويظهر تكريم زهيري والمنيس على التوالي، ان لجنة جائزة الصحافة العربية، في فرع شخصية العام، ولدت قوية الهامة بقناعة راسخة بمحورية قضية الحريات والنزاهة، واهميتها القصوى في النهوض بالممارسة الصحفية العربية، والحفاظ على دور الصحافة التنويري والكاشف لكل السوءات التي تعيق تقدم مجتمعاتنا واستقلالها، وجعلها دائما في خدمة القاريء، وحقه في الحصول على المعلومة دون اجتزاء او تحريف، حتى يتشكل رأي عام عربي من القوة والشفافية والمعرفة بحيث يمارس تأثيره دون الوقوع في فخ الموسمية وتفريغ الشحنات الانفعالية في غير مجرى التغيير بل دائما هو حادث خارجه. وعن كامل زهيري كما عرفه جيلي، وعرفته شخصيا اتحدث، ولحسن الحظ ان علاقتي به بدأت بعد ان طلق المناصب الكبرى في بلاط الصحافة المصرية، وتفرغ ككاتب عمود من اشهر الاعمدة «من ثقب الباب» وكاتب يوميات في مجلة لم يكتب لها البقاء كثيرا وتركت اثرا ناصعا في صحافتنا العربية المهاجرة «اليوم السابع» وتفرغ اكثر كمدافع اصيل في ساحة الحريات الصحفية وما يتفرع عنها من قضايا وطنية وسياسية ونقابية. من جملة المعارك التي خاضها كامل زهيري دفاعا عن استقلال الصحافة وحريتها، وقوفه ضد هيمنة التنظيم السياسي على نقابة الصحفيين، خلال مناقشات قوانين التنظيمات النقابية في مجلس الامة المصري قبل انقلاب مايو 1971، والغريب ان احد قيادات الاتحاد الاشتراكي العربي وقتها وهو حاليا زعيم حزب معارض، دخل في جدال انتصر فيه بالاغلبية ضد مطلب كامل زهيري ابعاد التنظيم السياسي عن النقابات وحفظ استقلالها كاملا، ومن المفارقات ان كوكبة من افضل كتاب مصر وصحفييها ذبحوا بهذه المادة التي فرضت الهيمنة على النقابات المهنية بعد انقلاب مايو، حيث تم فصلهم اولا من عضوية الاتحاد الاشتراكي وتاليا من عملهم الصحفي ودائما ما كان يتندر كامل زهيري على الغباء الحزبي الذي يقف بالتاريخ عند حدود اللحظة الراهنة غير عابيء بتحولات السياسة. على ان اخطر المعارك التي خاضها زهيري دفاعا عن استقلالية الصحافة، بل من اجل بقاء نقابة الصحفيين ككيان يدافع عن حق الصحفيين، تلك المعركة التي خاضها ضد محاولات الرئيس المصري الراحل أنور السادات الغاء النقابة، وايجاد ناد للصحفيين بديلا لها، تقليدا لنادي الصحافة الامريكي، في الظاهر، لكنه كان يخفي رغبة دفينة للقضاء على صرح نقابة الصحفيين، لاسكات آخر الاصوات المناوئة لسياساته، ولاحكام قبضته الحديدية على الصحافة، بعد ان نجح في تدجينها، ووضع طابور من «العرضحالجية» على رأس المؤسسات الحكومية، وبحكمة وعزيمة فولاذية وصبر لا ينفد، تمكن زهيري من افشال مخطط السادات وحاشيته، وللأسف كثيرون منهم من المحسوبين على الصحافة، ولم يقف ضدهم وفي صف النقابة وزهيري سوى الوزير منصور حسن، الذي توارى عن الاضواء منذ حادث المنصة الشهير. وخاض كامل زهيري الى جنب كوكبة من حكماء المهنة وشبابها معركة باسلة ضد قانون الصحافة المشبوه، الذي اريد له ان يكون مقصلة معلقة فوق رأس كل صحفي، لاسكات وقصف اي قلم يقترب من خطوط فضح الفساد الحمراء، او تناول المسكوت عنه في السياسة المصرية، وتكللت الجهود التي نفخت فيها كلمات زهيري روح الصمود باسقاط القانون، وان بقيت اسوأ مادة تتعلق بحبس الصحفيين في قضايا نشر عالقة، مثل مسمار جحا. وبعيدا عن ساحة المعارك الصحفية والدفاع عن الحريات التي كان زهيري احد فرسانها، تتجلى قدرات قلمه بأصالة غير متناهية، وحيوية لا ينضب معينها، وتنوع انتاجه الغزير دون ان يتنازل عن نضارته وتجديده وسبقه في طرح الافكار، وفي دمج عبقري بين الفن والادب والسياسة، واكتشافه للاقلام الجادة الواعدة. فلقد كان اول من قدم الراحل المفكر جمال حمدان صاحب موسوعة عبقرية مصر، ونشر له قبل حرب 5 يونيو 1967، مقالا استشرافيا بمجلة الهلال حول الصراع العربي الاسرائيلي، محذرا من تقدم اسرائيل باتجاه امتلاك القنبلة النووية، ومخططها لشن حروب توسعية، واحتفى زهيري بالمقال رغم وروده له في بريد القراء، دون معرفة سابقة، وقبل ان يعرف حمدان كمفكر او ينشر له انتاج علمي. ومن صفات زهيري الاصيلة، عدم التكالب على المناصب، او التهافت على المغانم، وهي صفة يشاركه فيها عدد من الرواد من ابناء جيله، محمد عودة، احمد بهاء الدين، فعندما عاد من فترة عمل في صحيفة الراية القطرية في بداية الرئاسة الاولى للرئيس حسني مبارك، واستدعي للقائه وسط تكهنات باسناد رئاسة احدى المؤسسات الصحفية له، قدم زهيري لمبارك في بداية اللقاء مجموعة كتبه: «مزاعم بيجين، النيل في خطر» وهي الكتب التي تصدت للسادات واتفاقية كامب ديفيد ومحاولات تزويد اسرائيل بمياه النيل. وكانت لمحة لا تخفى على تناقض مواقفه السياسية مع مواقف النظام، وعدم استعداده للانضمام لجوقة السلام الزائف مع اسرائيل. اما عشق زهيري الحقيقي والذي قاده لرئاسة مكتب القاهرة الكبرى، فهي المدينة الضاربة بجذورها في قلب الحضارة لدرجة تجعله يحفظ دروب حواريها القديمة ويعرف اين سكن كبار كتابها ومفكريها. واخيرا هنيئا لجائزة الصحافة باختيارها لفارس الحريات والصحافة شخصية العام.