إن التحديث هو الانتقال من وضع التخلف الى وضع التقدم، ودعم امكانات التقدم بما يزيد من وجودها في كل المجالات وعلى كل المستويات. وعملية التحديث، في تعدد أهدافها حركة مستمرة تصعد بالمجتمع من شروط الضرورة الى آفاق الحرية، ومن الانغلاق على النفس الى الانفتاح على كل ما يؤدي الى مواصلة فعل التقدم الذي لا يتوقف. وهي تقترن في شمولها بالازدهار الاقتصادي والتفوق العلمي متصلة مع التطوير الذي لا يتوقف عند حد، ولا يعرف له نهاية على مدى الانجاز المستمر لتحقيق الاحلام الواعدة التي لا يكف المجتمع عن التطلع اليها في مسيرته الصاعدة. ولقد شهدت البشرية عبر تاريخها الطويل ثلاث ثورات كبرى غيرت مصير الإنسان. وكانت كل واحدة من هذه الثورات تهدف الى تطوير حياته نحو الأفضل وتحسين أوضاعه المعيشية، فقبيل الميلاد ببضعة آلاف من السنين كانت الثورة الزراعية التي دفعت الإنسان على طرق تشييد الحضارة، وكانت بلاد المشرق سابقة الى تلك الثورة التي أضافت الى تاريخ الإنسانية. ومنذ مئات معدودة من السنين دخل الإنسان في الغرب عصر الثورة الصناعية التي حقق بها من منجزات العلم والحضارة ما صنع العصر الحديث. وقد أفضت تطورات الثورة الصناعية ومخترعات العصر الحديث الى الثورة الثالثة التي أصبحت علامة على عصر ما بعد الصناعة، وهو العصر الذي نعيشه اليوم في ظل حضارة جديدة هي حضارة عصر المعلومات التي أحالت الكرة الأرضية الى قرية كونية صغيرة، وفرضت من التحديات ما لابد من مواجهته والاستعداد له. وقد جاءت كل ثورة من الثورات الثلاث بقيم جديدة ومفاهيم واعدة، فكانت كل ثورة منها ثورة تحديث بالقياس الى ما قبلها، ذلك على الرغم من أن مفهوم التحديث نفسه ارتبط بعصر الثورة الصناعية. ولكنه أصبح - مع خصوصية واقعنا - مقترنا بضرورة استكمال الثورة الصناعية في عالمنا العربي، والمضي منها الى ما بعدها، وذلك بما يجعلنا مواكبين للعصر الكوني الذي نعيش فيه، والذي لم يسمح لنا بالتخلف عن الايقاع المتسارع لتقدمه غير المسبوق. ولذلك فإن التفكير في ضرورة المضي الى الامام في تحديث أي قطر من أقطار الوطن العربي لا يدخل في دائرة الرفاهية الفكرية، أو المناسبات الخطابية، وانما هو ضرورة حتمية تفرضها علينا أوضاعنا الداخلية من ناحية، كما تفرضها شروط العالم الذي نعيشه من ناحية موازية، والواقع أن التحديات التي يفرضها عالمنا المعاصر خطيرة الى أبعد حد، ولا نستطيع أن نتكاسل في مواجهتها، أو ندفن رؤوسنا في الرمال، فالمسافة بين عوالم التخلف وعوالم التقدم تتزايد يوما بعد يوم، واذا لم نأخذ أنفسنا بالحزم، ونمضي بخطوات سريعة واثقة في طريق المستقبل، مصممين على استكمال ما فاتنا، فإن النتائج ستكون وخيمة، ولن يصبح لنا وجود على خارطة الزمن الجديد للمستقبل الواعد. لقد أصبح المضي في استكمال تحديث الأقطار العربية معركة مصيرية لابد من خوضها والانتصار فيها بالوعي العلمي المتطور، والإدراك العميق لمشكلات الواقع، والفهم الأصيل لمتغيرات العالم المعاصر. ولا يفوتني في هذا المجال تأكيد أنه لا تحديث بدون حداثة، ولا معنى لحداثة لا تؤدي الى تحديث. الحداثة هي المقدمة الفكرية للتحديث، والأساس العقلي الذي يعتمد عليه، والدافع الشعوري الذي يتحرك به. وكما تفضي أفكار الحداثة المعنوية الى التحديث المادي الذي دعت اليه ونادت به، فإن التحديث المادي يدعم أفكار الحداثة ويفتح الأبواب المغلقة أمام ابداعاتها، متيحا لها شروط التطور، ومن ثم القدرة على المطالبة بمزيد من عمليات التحديث التي لا نهاية لها على سلم التقدم الإنساني. وكما أنه لا تحديث من غير أفكار جديدة، وخرائط عقلية واعدة، فإنه لا تحديث بعقول جامدة، أو أعين مغمضة لا ترى ما حولها، فالتحديث لا يتحقق الا بدعاته المتحمسين له والمتطلعين الى ان يكون غدهم أفضل من يومهم، وحاضرهم اضافة الى ماضيهم. إن التحديث معركة لا انتصار فيها الا بالقضاء على اعداء التحديث والحداثة، ولا يمكن الاستمرار في مواجهة تحدياتها إلا بالتحرر من المعوقات التي تعرقل توسيع حركة التحديث المقترنة بأفكار الحداثة الجديدة. ومن هنا تأتي أهمية تطوير الأفكار السائدة، وتخليص العقول من الأوهام الموروثة، وافساح السبيل لكل اجتهاد أصيل يسعى الى تغيير الواقع الى الأفضل. وإذا كان الانسان هو صانع الحداثة والتحديث معا، فإنه الهدف من التحديث وغايته، فبالإنسان يبدأ التقدم الذي ينتهي الى الانسان بوصفه الغاية المستمرة لفعل التحديث الدائم، تحريرا متصلا لملكاته، واطلاقا متصاعدا لقدراته الابداعية والابتكارية. ودعامات اكتمال التحديث ولوازمه عديدة، تبدأ بالدولة العصرية التي تأخذ بالعلم منهجا، وتحقق الازدهار الاقتصادي بالقدر الذي تحقق التقدم العلمي، وتنبني على التسامح الفكري بالقدر الذي تعتمد على التعددية السياسية التي هي علامة الديمقراطية التي تحمي الدولة المدنية وتتدعم بها. والدولة العصرية هي دولة التقدم في كل المجالات، ابتداء من المجال العلمي الذي توازي ثورته المعرفية الحرية الثقافية التي يتأصل بها الابتكار ويزدهر الابداع. وللمرأة أدوار بالغة الأهمية في تحديث المجتمع في كل مجال من مجالاته، فهي النصف الذي تكتمل بتفعيلة الحركة الاجتماعية العفية التي تندفع بها عملية التحديث، وهي القوة التي لا يستهان بها في تطوير التعليم العصري وتحويله الى أفق مفتوح امام الابتكارات العلمية والابداعية الفكرية. وللمرأة دور لا يقل تأثيرا عن دور الرجل في التقدم العلمي، خصوصا بعد أن أثبتت حضورها في مجالات العلوم الاجتماعية والطبيعية، وقامت بالعديد من الأبحاث التي أثبتت تفوقها. أما الابداعات الثقافية المختلفة التي حققتها المرأة العربية في كل قطر عربي، والتي تمضي في تحقيقها، فإنها علامة على قدرتها الابتكارية التي يمكن توظيفها في تحديات تحديث مجتمعها. ولا شك ان ما أنجزته المرأة العربية - بدرجات متفاوتة - في العمل السياسي الذي تمرست به في بعض الأقطار العربية يؤكد الامكانات المفتوحة امامها في المشاركة السياسية في كل الاقطار العربية، ويعزز الدور الذي لابد أن تنهض المرأة العربية به في تحديات الاصلاح السياسي الذي هو شرط جوهري من شروط التحديث. إن تحديث المجتمع معركة شاملة لا يمكن النجاح فيها الا بتضافر كل أفراد المجتمع وطوائفه، وتأصل رغبة التجدد والتطور والتقدم في نفوس ابنائه وبناته ورجاله ونسائه. ولذلك فمن المستحيل أن ينجح أي مجتمع في استكمال مسيرة التحديث الا اذا كانت للمرأة أدوارها التي تؤديها جنبا الى جنب الرجل من غير تحيزات مسبقة أو أفضليات عتيقة. ذلك ما أثبته تاريخ البشرية، وماتثبته الحضارة العالمية الحديثة التي تواجهنا بتحديات غير مسبوقة. واذا كانت هذه التحديات تفرض نفسها على المجتمع، رجالا ونساء، فإن النجاح في مواجهتها لا يمكن تحقيقه الا بتعاون الرجل مع المرأة، وتكاتف المرأة مع الرجل، في التغلب على كل الصعاب.