تُعد وسائل الإعلام من أهم أدوات إدارة الحروب والصراعات السياسية والعسكرية في العالم، وهي الحقيقة التي فطنت إليها الحركة الصهيونية العالمية منذ بدايات ظهورها، في مؤتمر بازل عام 1898، حيث اعتمدت بصورة أساسية على الوسائل الإعلامية التي امتلكتها وتحكمت فيها للترويج لكل أساطيرها المنادية بإقامة «دولة يهودية في فلسطين»، بداية من أسطورة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ومرورًا بأسطورتي «الهولوكست» و«إسرائيل واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط» وانتهاءً بـ «الإرهاب الفلسطيني». وهذا الأمر أدى إلى حدوث أحد أمرين، هما: تعاطف شعبي قوي من قبل بعض الشعوب الغربية، لاسيما الشعب الأمريكي الذي شهد خلال الأيام الماضية تظاهرة ضخمة نظمتها جمعيات اللوبي اليهودي أمام البيت الأبيض شارك فيها عدد من رجال الإدارة الأمريكية مثل نائب وزير الدفاع «بول وولفويتز»، وذلك للإعلان عن تأييدهم المطلق لإسرائيل في حربها ضد الشعب الفلسطيني. أو انتشار حالة من الجهل وعدم المعرفة بجذور الصراع العربي ـ الإسرائيلي في أوساط العديد من شعوب العالم، لاسيما الأجيال الجديدة التي لم تشهد بدايات الصراع في منتصف القرن العشرين، حيث تتجاهل وسائل الإعلام الحقائق أو تسعى إلى تزويرها، مما يؤدي إلى وجود صور مشوهة عن طبيعة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لدى الشعوب التي تعتمد في معلوماتها وتكوين وجهات نظرها على وسائل الإعلام، وهو ما يجعل مسألة التفرقة بين الجاني والضحية، والمغتصب وصاحب الحق، أمرًا في غاية الصعوبة بالنسبة إليها. حقائق ودلالات ولعل أبرز الدلائل التي تؤكد ذلك، النتائج التي توصلت إليها دراسة أعدتها المجموعة الإعلامية بجامعة جلاسجو البريطانية ـ تم نشرها في صحيفة الجارديان يوم 16/4/2002 ـ حول اتجاهات الرأي العام في بريطانيا حيال الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والتي أهمها: ـ أن 80 من البريطانيين لا يعرفون شيئًا عن «قضية اللاجئين». ـ أن القليل من البريطانيين يفهمون الأسباب الحقيقية للصراع والأزمة وجذورهما، فنشرات الأخبار التي تأتي في وقت الغداء وفي بداية وآخر الليل لشبكات «بي، بي، سي» و«أي، تي، إن» حيث يشاهدها عدد كبير من الجمهور، خلال الفترة من 28 سبتمبر حتى 16 أكتوبر 2000 أي حوالي 89 نشرة إخبارية، والتي تم نقلها إلى سطور وصل عددها إلى 3536 سطرًا كان هناك 17 سطرًا فقط تم تخصصيها لتاريخ الصراع، لذا فإنه من الواضح أن العديد من البريطانيين لا يفهمون أن الفلسطينيين يخضعون لاحتلال عسكري ولا يعرفون من هو المحتل الحقيقي. ـ أن 71% من البريطانيين لا يعرفون أن الإسرائيليين هم المحتلون للأراضي الفلسطينية بينما 9% فقط هم الذين يعرفون ذلك الأمر وأن المستوطنين هم الإسرائيليون، في حين أن هناك أكثر من 11% من البريطانيين يعتقدون أن الفلسطينيين هم المحتلون وأن المستوطنين هم الفلسطينيون. ـ ان هناك تحيزًا داخل وسائل الإعلام البريطانية لصالح إسرائيل، حيث إن هناك الكثير من الأمثلة على تبني وجهة النظر الإسرائيلية من جانب الصحفيين، فيتم عادة تقديم التفجيرات الفلسطينية على أنها «البادئة» لسلسلة من الأحداث التي تشمل «ردًا» إسرائيليًا، كما أشارت الدراسة إلى عدم وجود أية تقارير إخبارية في وسائل الإعلام البريطانية تبدأ كما يلي: «جاءت الهجمات الفلسطينية انتقامًا لمقتل عدد من الذين يقاومون جيش الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي». ـ أن كلمات مثل «القتل العمد» و «إعدام من غير محاكمة» و «القتل الوحشي بدم بارد» لم تستخدم إلا في وصف القتلى من الإسرائيليين، فعلى سبيل المثال، وفي 10 أكتوبر عام 2000، عندما ذُكر أن سكانًا عربًا في تل أبيب تعرضوا للمطاردة وللطعن، وصفت شبكة أي تي إن الإخبارية الأمر على أنه «يهود غاضبون يبحثون عن ضحايا عرب»، أما في الجارديان فقد تم وصف هذه الأحداث على أنها «مذبحة منظمة». لكن التقرير الذي بثته الأخبار التلفزيونية كان مختصرًا جدًا. وبعد يومين، وعندما قُتل جنديان إسرائيليان على يد جمع من الفلسطينيين، كانت هناك تغطية مكثفة جدًا، وتم استخدام الكلمات مثل: «الإعدام من غير محاكمة» و «الإعدام من غير محاكمة على أيدي الغوغاء» على نطاق واسع، وهذا الفرق في استخدام اللغة جدير بالملاحظة، خاصة أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ بدء الانتفاضة وصل إلى عشرة أضعاف نظرائهم من الإسرائيليين. ـ يشك 30% من البريطانيين الذين شملتهم الدراسة في صحة البيانات التي تقول إن عدد الضحايا من الفلسطينيين أكبر من القتلى الإسرائيليين، وهناك نسبة مماثلة تعتقد أن معظم الضحايا من الجانب الإسرائيلي أو على الأقل أن هناك تساوي بين الجانبين. ـ يصل مقدار حديث الإسرائيليين في الأخبار التلفزيونية البريطانية إلى ضعف نظرائهم من الفلسطينيين، ويصل عدد العناوين الرئيسية للأخبار التي تعبر عن وجهة النظر الإسرائيلية إلى ثلاثة أضعاف تلك التي تعبر عن وجهة النظر الفلسطينية.ـ يندر أن يتم عرض بعض الأفكار التي تدين جهات إسرائيلية خلال نشرات الأخبار البريطانية، فعلى سبيل المثال يندر عرض فكرة أن هناك قوى قوية داخل إسرائيل لا تتمنى الوصول إلى أية تسوية سلمية في الأخبار التلفزيونية، كما يندر جدًا أن يتم تناول الأسباب التي أدت إلى إثارة الانتفاضة الحالية مع دخول آرييل شارون للمسجد الأقصى، مما أدى إلى اشتعال المظاهرات الواسعة. ـ تطرح وسائل الإعلام البريطانية بشكل واسع وجهة النظر الإسرائيلية التي تقول إن ياسر عرفات هو الذي يشجع على العنف للوصول إلى أهداف سياسية. الغياب العربي وتؤشر تلك الدراسة على دلالتين رئيسيتين، تعكسان بشكل أو بآخر ضعف العرب إعلاميًا في مواجهة إسرائيل، وهما: ـ جاءت هذه النتائج لتعبر عن توجهات الرأي العام داخل بريطانيا وهي إحدى الدول المهمة على الصعيدين الإقليمي والدولي، والتي كان متوقعًا أن تكون مستهدفة من قبل وسائل الإعلام العربية بغية توظيف مواقف الرأي العام داخلها لصالح دعم الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وذلك لاعتبارات كثيرة، أهمها: ـ أن الرأي العام البريطاني يعد بمثابة البوابة الرئيسية للدخول إلى عقلية الرأي العام داخل أوروبا وأمريكا على السواء، وذلك انطلاقًا من طبيعة العلاقات القائمة بين بريطانيا والولايات المتحدة على الأصعدة المختلفة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن كونها أحد أهم المحاور الرئيسية في الاتحاد الأوروبي. ـ الدور الذي يلعبه الرأي العام داخل بريطانيا في رسم سياسات بلاده الخارجية، فمن المعروف أن تأييد الشعب البريطاني لمواقف حكومته الخارجية يعد من أهم الشروط الواجب توافرها قبل اتخاذ مثل هذه المواقف، ولعل أبرز دليل على ذلك في الوقت الراهن هو موقف الشعب البريطاني الرافض لمشاركة بلاده في حملة عسكرية أمريكية ضد العراق وهو ما أدى إلى نوع من الغموض في الموقف الرسمي تجاه تلك المسألة لحين انتهاء الجدل الداخلي الدائر بشأنها. ـ ارتفاع عدد الجالية الإسلامية والعربية في بريطانيا حيث يبلغ عددها 2 مليون مسلم، لتكون بذلك ثالث أكبر جالية إسلامية في أوروبا بعد فرنسا (5 ملايين مسلم) وألمانيا (3 ملايين مسلم)، فضلاً عن وجود العديد من المؤسسات الإسلامية الكبرى فيها مثل «اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا». ـ جاءت هذه النتائج لتعبر عن مواقف الشباب داخل المجتمع البريطاني، حيث استهدفت الدراسة قطاع الشباب ممن تتراوح أعمارهم ما بين 17 و22 عامًا، الأمر الذي يعكس رؤية تشاؤمية لمستقبل الرأي العام العالمي إزاء القضية العربية الأولى (قضية فلسطين)، فإذا كانت التظاهرات التي شهدتها ـ ومازالت تشهدها ـ معظم دول العالم خلال الفترة الماضية قد عبرت عن دعم المجتمع الدولي للحقوق الفلسطينية المغتصبة، فإن غياب دور الإعلام العربي المفترض في الصراع العربي ـ الإسرائيلي ينذر بتبدل هذه المواقف وتغيرها في السنوات القادمة. وعلى الرغم من إشارة الدراسة إلى ثلاثة أسباب رئيسية أدت في مجملها إلى جهل الشباب البريطاني بتاريخ وحاضر الصراع بين أصحاب الحق الفلسطينيين والمعتدين الإسرائيليين، هي: اعتبارات السوق التجارية التي تعمل في إطارها القنوات والنشرات الإخبارية وسائر البرامج التلفزيونية في بريطانيا والقائم على المنافسة، والتي تجعل أنشطة تلك القنوات محكومة بالأساس بتقييمات واشتراكات الجمهور، الأمر الذي يدفعها إلى تفضيل عرض الصور الكبيرة للأحداث الساخنة في فلسطين وسط أعمال الشغب وأثناء تواجد الصحفيين وسط قذف الحجارة أكثر من تفسير وشرح أسباب الصراع وكيف بدأ. والتحالف القوي بين إسرائيل والولايات المتحدة، إضافة إلى وجود جماعات الضغط القوية المؤيدة لإسرائيل (اللوبي اليهودي) داخل بريطانيا والولايات المتحدة ـ على الرغم من هذا، فإنه من الأهمية بمكان عدم الانجرار إلى التصور القائل بأن التغلغل الصهيوني في وسائل وأجهزة الإعلام الغربية هو السبب الرئيسي لمثل هذه النتائج الكارثية، التي من شأنها أن تتضاعف على المدى المتوسط عندما يترسخ في وعي العالم الغربي مقولة مفادها «أن ما تقوم به إسرائيل هو الحق وأن ما يطالب به الفلسطينيون هو الباطل، وعندها يصبح الفلسطينيون ومن ورائهم العرب هم المعتدون وعليهم أن ينالوا العقاب المناسب الذي تحدده القوة الإسرائيلية في ذلك الوقت». فهناك العديد من الأسباب الأخرى التي يتحمل العالم العربي مسئوليتها بشكل مباشر، فبمقدار ما تؤشر تلك النتائج على توغل اللوبي اليهودي داخل وسائل الإعلام البريطانية فإنها تدل أيضًا على غياب إعلامي عربي كبير على الصعيد العالمي، على الرغم من وجود عشرات القنوات الفضائية العربية هي في مجملها موجهة إلى الرأي العام العربي بالأساس متجاهلة الرأي العام العالمي الذي أصبح قوة أساسية في زمن العولمة، فضلاً عن تناول بعض هذه القنوات قضية الصراع الدائر في الأراضي المحتلة بصورة سلبية تصب بطريقة غير مباشرة في اتجاه تشويه القضية وضبابية أبعادها.فبدلاً من نقل صور تعبر بشكل أو بآخر عن إجرامية الاعتداءات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني مثل التركيز على صور الدبابات الإسرائيلية وهي تهد البيوت الفلسطينية على رؤوس أصحابها أو صور الجنود الإسرائيليين وهم في مواجهة الفلسطينيين العزل ـ بدلاً من هذا، فإن معظم القنوات العربية تركز على المشاهد التي قد تزكي التصور الغربي بأن الفلسطينيين هم الذين بادروا بالاعتداء على الإسرائيليين، فمن الملاحظ أن معظم وسائل الإعلام العربية قد تغافلت بصورة ما عن الإشارة إلى أن زيارة «آرييل شارون» الاستفزازية إلى القدس الشريف وسط حراسة مشددة في الثامن والعشرين من سبتمبر 2000 هي التي أشعلت نار الانتفاضة الفلسطينية التي مازالت متأججة حتى الآن. فرصة متاحة وعلى الرغم من هذه الصورة التشاؤمية التي تعكسها تلك الدراسة ويزكيها غياب الإعلام العربي عن ساحة الصراع بين العرب وإسرائيل، فإن هناك العديد من العوامل التي تعبر عن بصيص من الأمل الذي يتخلل الظلمة المحيطة بالوضع الحالي شريطة استغلال وسائل الإعلام العربية لها إيجابيًا وفي أسرع وقت ممكن، وأهمها: ـ التظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني التي شهدتها عواصم العالم بداية من بيرو ومرورًا بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والدانمارك وانتهاء بالسنغال وإندونيسيا واليابان. ـ مواقف جماعات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية التي تؤكد بشاعة الممارسات الإسرائيلية ،وتطالب بضرورة توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني. ـ على الرغم من كون جهل الشباب البريطاني بتاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي يعبر بشكل ما عن ضعف عربي على المستوى الإعلامي، إلا أنه يعد أيضًا بمثابة فرصة لإمكانية إعادة تشكيل وتكوين عقل هذا الجيل في العالم الغربي بما يدعم الحقوق العربية المغتصبة، شريطة أن تقوم الدول العربية بالتعاون مع جامعة الدول العربية بصياغة استراتيجية إعلامية موحدة تعتمد على إنتاج برامج إخبارية وأفلام درامية وتسجيلية ضخمة تستهدف الأجيال الشابة في الغرب لشرح تاريخ الصراع وأبعاده ومواطن الحق والباطل فيه. ـ استغلال الفرصة التي خلقها العدوان الإسرائيلي الحالي ضد الشعب الفلسطيني لإعادة تذكير العالم بمعاناة الشعب الفلسطيني سواء أكان تحت الاحتلال أو في الشتات، وذلك بعد تناسى العالم خلال سنوات السلام (1991 ـ 1999) تلك المعاناة على اعتبار أن القضية سائرة في اتجاه الحل، الأمر الذي من شأنه ممارسة ضغوط دولية قوية على إسرائيل على المديين المتوسط والطويل. وأخيرًا، هل يدرك العرب مغزى الرسالة الضمنية التي حملتها تلك الدراسة البريطانية ويتجهون نحو صياغة استراتيجية إعلامية موحدة تستهدف الرأي العام العالمي ،وتوضح الحق العربي المغتصب أم يبقى الوضع على ما هو عليه حتى إشعار آخر؟ ـ المقر الرئيسي في العاصمة البريطانية لندن