ليس بعيدا عن التصور ان ينتهي مصير الفلسطينيين الستة الذين وافقت السلطة الفلسطينية على احتجازهم في سجن في مدينة اريحا تحت حراسة رجال امن بريطانيين وامريكيين، الى مشانق تنصب لهم في اسرائيل، فازاء استعداد قيادة السلطة الفلسطينية للتنازل في مسائل وقضايا مبدئية غير قابلة للتنازل، تظل المطالبات الاسرائيلية بلا حدود ولا نهاية. بمعايير النضال الوطني الشريف فان كل واحد من هؤلاء الستة جدير بلقب بطل.. فجميعهم الا واحدا ثأروا للكرامة الوطنية الفلسطينية بالمشاركة في قتل قيادي اسرائيلي هو وزير السياحة رحبعام زئيفي، من قبيل الرد على عملية اغتيال اسرائيلية استهدفت قياديا فلسطينيا بارزا هو ابو علي مصطفى الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اما السادس فان «جريمته» هي الترتيب التمويلي لاستمرار المقاومة الوطنية بشراء اسلحة وذخيرة. لقد جاء في بيان للجبهة الشعبية ان السلطة الفلسطينية بموافقتها على تسليم هؤلاء المناضلين الى حراس بريطانيين وامريكيين، قد اقترفت تنازلا خطيرا في حق مسيرة النضال الفلسطيني. وقال البيان ان تنازل السلطة «سيفتح شهية اعداء شعبنا في واشنطن وتل ابيب». اما تبرير السلطة بان تنازلها يأتي في اطار صفقة تتضمن فك الحصار عن الرئيس عرفات ليمارس حريته في التحرك داخل الارض المحتلة وخارجها، فانه في افضل الاحوال تبرير ساذج لانه يجبر الطرف الفلسطيني على دفع ثمن عن حل لمشكلة هي في الاصل من افتعال الطرف الآخر. ان افتعال اوضاع جديدة شاذة ومطالبة الخصم بتحمل عبء اعادة الامور الى الاوضاع الطبيعية، نهج ابتزازي فاضح تمارسه اسرائيل بصورة تقليدية، ومن المؤسف حقا ان قيادة السلطة الفلسطينية تسمح لنفسها بالاستجابة للعمليات الابتزازية، وبالتالي تقديم تنازلات لايجب ان تكون اصلا واردة. ضمن هذا الاطار تقع مسألة ضرب الحصار الطويل على مقر الرئيس عرفات في رام الله. فالمسلك الاسرائيلي في هذا السياق خاطيء اصلا بأي معيار من معايير القانون الدولي، بدليل التعاطف العالمي المتنامي لصالح الرئيس الفلسطيني على مستويات حكومية وشعبية لمدى شهور الحصار الاربعة. وحتى عرفات نفسه اعلن من فرط ادراكه لعدم شرعية الموقف الاسرائيلي انه يفضل ان يكون شهيدا عوضا عن القبول بشروط لفك الحصار.اذن لماذا وافق عرفات اخيرا على الاذعان لشروط مقابل فك الحصار عنه؟ الاجابة الفورية الواضحة هي ان الرئيس الفلسطيني فقد القدرة على مقاومة الضغوط المتعاظمة من الولايات المتحدة واسرائيل ومعهما اطراف عربية.هي اجابة صحيحة لكن ليس معنى هذا انها مبررة تلقائيا فالمفترض في زعيم حركة تحرير وطني ضد قوة احتلالية اجنبية، ومن ورائه شعب يرى في الاستشهاد نهجا نضاليا محببا الى النفس، ان يكون فوق الضغوط خاصة عندما تأتي مثل هذه الضغوط من اطراف لا تريد له ولشعبه سوى الانهزام والاستسلام. غير ان عرفات كان على استعداد للتنازل حتى قبل ان يلجأ الخصم الى الابتزاز وسلاح الضغوط فقد امر بعيد عملية اغتيال الوزير الاسرائيلي التي دبرتها الجبهة الشعبية باعتقال الامين العام للجبهة احمد سعدات الذي كان قد خلف الشهيد ابو علي مصطفى. وعلى طول الخط ظل الرئيس عرفات اعتذاريا في تعامله مع الحادثة وتداعياتها. ومع ذلك غضت الجماهير الفلسطينية والعربية الطرف عن هذا المسلك ظنا منها ان استمرار الحصار الاسرائيلي على الرئيس الفلسطيني على خلفية التأييد العربي والعالمي المتعاظم لن يزيده الا عنادا وتصلبا. لذا كان تراجع الرئيس الفلسطيني امام الضغوط الامريكية والاسرائيلية وعلى صعيد رسمي عربي، مفاجأة وخيبة امل لفصائل المقاومة الفلسطينية والشعوب العربية فالمغزى الحقيقي لهذا التراجع الخطير هو تجريم النضال الفلسطيني واعتبار الابطال الوطنيين مجرمين.