عندما اتسعت في أمريكا الدعوة الى المزيد من تجميل صورتها وانشاء مراكز أو ادارات أو مؤسسات ترمي كما قال التعبير الشائع الى اكتساب عقول وقلوب العالم ـ كتبت صحيفة أمريكية تقول لأهل الاعلام، والدعاية في الولايات المتحدة ما معناه: «مهلا.. أمريكا ليست ساندوتش هامبورجر»! بمعنى ان المسألة ليست مجرد ترويج بالبروباجاندا ولا مجرد صور جذابة عن الحياة.. الرخاء في وول ستريت.. نجمات السينما في هوليوود أو لاعبو البيسبول في شيكاغو. المسألة أعمق من ذلك وأبعد غورا وربما تلقف هذا الخيط مفكر أمريكي كبير هو بول كينيدي استاذ التاريخ بجامعة ييل المرموقة وصاحب الدراسات الشهيرة عن صعود وسقوط القوى العظمى فنشر بدوره مقالا ضافيا (اسبوعية الجارديان البريطانية ـ 20 مارس الماضي) دعا فيه الى الاعتراف في بادئ ذي بدء الى ان أخطاء السياسات الامريكية هي في الاساس سبب كراهية قطاعات شتى من شعوب العالم للولايات المتحدة، هذا فضلا عن اشارته التي ينبغي أن نتوقف عندها الى حالة اللامبالاة.. عدم الاكتراث (وقد نسميها حالة عنجهية القوة أو الاغترار بها على حد تعبير السياسي الراحل السناتور ويليام فولبرايت وهو احد آباء السياسة الخارجية للولايات المتحدة). حيث العنجهية المختالة المغرورة هي التي تدفع ـ في رأي البروفيسور بول كينيدي ـ جمهرة من الامريكيين الى الا يلقوا كبير بال الى الانتقادات المتسعة المتنامية لبلدهم والى ما يساور دوائر متعددة في طول العالم وعرضه ازاء سلوك امريكا خارج حدودها في الوقت الراهن. تأمل مثلا ردود الفعل في الوطن العربي وفي العالم الثالث بل وفي أوروبا الغربية ـ الحليفة الاطلسية الثابتة ازاء الموقف الامريكي الراهن من تأييد وحشية ادارة ارييل شارون في التعامل مع معطيات الصراع الصهيوني ـ الفلسطيني حيث لم يصل الامر الى مجرد الاعراب عن الالتزام الامريكي التقليدي (منذ عهد ترومان في الاربعينيات) بوجود وامن اسرائيل ولكنه بلغ درجة من الاستفزاز السياسي بل والسلوكي الى الحد الذي اسبغت فيه الرئاسة الامريكية على السيد شارون لقب «رجل السلام» في حين انه ممعن ـ كما دلت الاحداث ولا تزال في ارتكاب جرائم حرب تقع جميعا تحت طائلة قانون الجرائم المرتكبة ضد الانسانية ومنها جريمة الابادة الجماعية (جينو سايد). يضيف بول كينيدي قائلا ان هذا الاتجاه من غرور السلوك السياسي الامريكي لا يأبه بانتقادات الآخرين في طول العالم وعرضه ويرى في أمريكا البلد رقم واحد بغير منازع وان على بقية العالم ان يتعامل مع هذه الحقيقة «بمنطق القبول والرضوخ والتسليم وهذه » البقية العالمية تشمل كما يوضح الاستاذ الامريكي أوروبا وروسيا والعالم العربي. واذا ما سولت هذه الاطراف لنفسها ان ترفض حكاية رقم واحد هذه.. فكأنها تنطح رأسها في صخر أو كأنها تحاول ان تنفخ ـ عبثا ضد اتجاه رياح صرصر عاتية. ثلاث زعامات تاريخية ولان بول كينيدي استاذ تاريخ ودارس حضارات فهو يحيل الى ثلاث حقب في القرن العشرين تطلع فيها العالم الى الولايات المتحدة باحترام حقيقي وأمل أصيل.. تلك هي حقبة الرؤساء ودرو ويلسون (عام 1918) وفرانكلين روزفلت (في عام 1941) ثم جون كينيدي (في عام 1960). هؤلاء الرؤساء ـ الزعماء الثلاثة هم الذين استطاعوا ان يكسبوا عقول وأفئدة عالمهم، كل بطريقته لسبب اساسي يلخصه استاذ التاريخ في جامعة «ييل» قائلا: ـ انهم رفضوا المشاعر الضيقة التي رفعت شعار «امريكا أولا» وبدلا منها تكلموا عن احتياجات البشرية جمعاء... ثم يمضي الكاتب الامريكي قائلا: ـ ان ما نريد ان نراه (بديلا عن سياسة امريكا الراهنة) هو العودة الى هذه الصورة لامريكا في الخارج ـ صورة امريكا التي تصدر عن روح متسامحة واهداف واضحة التحديد (بعيدا عن استعلاء الغرور وتخبط السياسات) ومن هذه السياسات ما يقصر بأشواط بعيدة عن توقعاتنا وآمالنا ـ سياسات تصدر عن روح الاثرة والانانية ومنها مثلا سياسات امريكا ازاء حظر انتشار الالغام الارضية في العالم أو موقفها السلبي من انشاء محكمة جنائية دولية أو من رفض التوقيع على اتفاقية كيوتو لاصلاح مناخ البيئة العالمية. (قد تضيف لمزيد من توضيح هذه الروح الانانية المتعنتة الحقيقة التي تعترف بها مصادر امريكية منصفة بأن امريكا التي لا تشكل سوى 5% من مجموع سكان العالم مسئولة ـ للأسف ـ عن نحو 25% من آفة التلوث في العالم ـ انظر كتاب حالة العالم في سنة 2002 الصادر حديثا عن معهد الرصد العالمي). الدبلوماسية الشعبية والحاصل ان فجوة التصديق او ازمة المصداقية بالنسبة لصورة امريكا في عيون الآخرين ربما اصبحت هاجسا يقلق هذا النفر من المثقفين والدبلوماسيين الامريكيين وهو ما اصبحت تعكسه كتاباتهم التي نحاول ان نتابعها ما استطعنا الى ذلك سبيلا.. واذا كان الاستاذ بول كينيدي قد حرص على نشر مقالته المشار اليها في الجارديان البريطانية فاننا نواصل في هذا المبحث الاحالة الى المصدر الذي اشرنا اليه في الجزء الاول من هذا الحديث، وهو احدث الاعداد الصادرة من فصلية ذي واشنطن كوارترلي التي يصدرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في العاصمة الامريكية. ان المحور الذي خصصه العدد المذكور يحرص على ان يعرض لقضايا البث الاعلامي والتفاهم الثقافي بين امريكا والعالم وخاصة بعد احداث وملابسات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. ويجمل الدبلوماسي الامريكي المخضرم «كريستوفر روس» هذا كله تحت عنوان ما وصفه بأنه «الدبلوماسية الشعبية» التي يراها السفير «روس» بأنها قد بلغت طور النضوج. وهو يرى في هذه الدبلوماسية الشعبية عملة ذات وجهين: وجه يرتبط بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة والوجه الآخر يرتبط بنشر وترويج القيم الداخلية (القومية، المحلية، الوطنية) لأمريكا حيث الجمهور المستهدف بالنسبة لهذين الوجهين هو ابناء الشعوب الاخرى الذين وجه اليهم بالذات انشطة برامج التبادل الثقافي مع التركيز على المجال التعليمي ـ التربوي وفي هذا السياق يصف السفير «روس» برنامج فولبرايت بأنه محور هذه الانشطة أو هو «سفينة القيادة» حسب تعبير السفير الامريكي في جهود امريكا لبناء جسور التفاهم الثقافي (بمعنى ترويج قيم امريكا وتحسين أو تجميل حتى لا نقول تزيين أو تزويق صورتها أمام عالمها وعصرها). رفض العزلة ولعل العنصر الايجابي في هذا النمط من التفكير ومع اختلاف النهجين بين البروفيسور كينيدي والسفير روس، هو رفض الاستسلام للعزلة ناهيك عن سلوك التفرد الاستعلائي أو التباعد المدل المغرور.على ان السفير روس لا يلبث ان يؤكد على اهمية الاستثمار في عمليات التبادل الثقافي.. ارسال شباب امريكيين الى بلدان في العالم الثالث على وجه الخصوص وبالذات الى البلدان التي تتجسد على صعيدها مصالح حيوية للولايات المتحدة مع استقبال شباب من تلك الاقطار ليعيشوا «الحياة الامريكية» بكل ما يتهيأ في جنباتها من بساطة وجاذبية حتى لا نقول ومن عوامل التأثير أو الابهار. ان الدبلوماسي المخضرم يقف بمنطق الاشادة عن مبادرة سفير امريكي مثلا الى نشر مقالة في صفحة الرأي باحدى الجرائد الكبرى في البلد الذي يخدم فيه ويصف هذه العملية بأنها نموذج لنجاح اكيد في تغيير اتجاهات الرأي العام «لمصلحة واشنطن بطبيعة الحال»، ولكنه ينوه بالاثر الاعمق ولو على المدى البعيد الناجم عما يصفه بانه الاستثمار في الاجل الطويل بالنسبة للأمن القومي للولايات المتحدة وهو تحديداً عمليات استقبال مبعوثين على فترات قصيرة وآجال محددة من العالم الخارجي.. في هذا السياق يقول السفير «روس»: قد يستغرق الامر سنوات لكي تتبدّى الاثار الناجمة عن اقامة مسئول حكومي شاب في الولايات المتحدة قادما من بلد بعيد ولكن واشنطن كفيلة بأن تستفيد اكبر افادة من عملية تعريض هذا المسئول الاجنبي للقيم السائدة في المجتمع الامريكي فضلاً عن تعاملاته مع اقرانه الذين سوف يصاحبهم من الامريكيين. ثم يمضي الدبلوماسي المحترف ليوضح لقومه كيف ان كثيراً من السياسيين والمحللين قد اصابتهم دهشة إلى حد الصدمة احياناً حين رصدوا ما يصفه السفير بأن درجة العداء الظاهرة ضد امريكا ومدى استغراب الناس لجوانب وقيم الحياة داخل مجتمعها بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي ناهيك عن درجة عدم الالمام بانجازات ذلك المجتمع والطموحات التي تجيش في صدر افراده.. وربما كان اكثر من اصيبوا بهذه الصدمة هم جماعات الامريكيين الذين عملوا ممثلين لمصالح بلدهم خارج الحدود وفي اماكن شتى من العالم. لماذا يكرهون أمريكا ومن عجب ان السفير روس بكل تجربته التي ألمحنا اليها وخاصة من واقع خدمته في الشرق الاوسط وفي بلد عربي مثل سورية بالذات. لم يجهد نفسه أو لم يهتم بأن يتقصى بعضاً من أسباب تلك الكراهية لأمريكا التي لابد وقد صادفها وربما شغلته يوماً كي يبحث عن جذورها ودواعيها. ذلك لان العرب وهم جزء من شعوب ذلك العالم الثالث لايبغضون امريكا «لله في لله» كما يقول المثل الدارج المأثور. يعني انهم لا يبادرون إلى منطق العداء لامريكا دون مبررات او مسببات وبصورة اكثر تحديداً فالعرب لا يكرهون امريكا الشعب ـ الناس فليس هناك شعب يكره شعباً بدون مقدمات. وأهل العالم العربي والشرق الأوسط يعيشون في منطقة متوسطة من العالم بمعنى انهم لا يعيشون في منطقة طرفية من كرة الارض ولا في بقاع نائية وامصار معزولة تجعلهم ينظرون إلى الاخر نظرة توجس او تشكك بحكم العزلة أو التباعد. ثم ان العرب يصدرون عن حضارة قامت اساساً على مبدأ الانفتاح ثم التمثل والهضم والتفاعل الخلاق مع حضارات وثقافات سبقت ومن ثم العطاء والاسهام في حضارات وثقافات خلفت على طريق تطور الانسان واكثر من هذا: فحين اطلت الولايات المتحدة على عالمها مع بدايات القرن العشرين جاءت اطلالتها على العرب من منظور ايجابي كما قد نسميه وهو ما اشارت اليه دراسة البروفيسور بول كينيدي حين تكلم عن اول زعامات امريكا في القرن العشرين مجسدة في رئيسها المثقف «ودرو ويلسون» الذي لفت انظار عصره في اعقاب الحرب العالمية الأولى بدعوته الشهيرة إلى اقرار حق تقرير المصير للشعوب وهي دعوة تجاوبت اصداؤها اعجاباً بأمريكا وكانت قوة عالمية فتية يافعة وصاعدة في تلك الايام.صحيح ان ويلسون سرعان ما صدم العرب ـ المصريين مثلا ـ حين اعترف للاسف بالحماية الاستعمارية البريطانية على مصر الا ان دعوته تلك ومبادئه الاربعة عشر التي اعلنها وقتها دخلت حوليات السياسة العالمية بوصفها اضافة لها قيمتها إلى منظومة حقوق الانسان مما هيأ النفوس في العالم العربي إلى نظرة ايجابية في التعامل مع امريكا خلال النصف الاول من القرن الماضي لاسيما وان امريكا دخلت حلبة السياسة العالمية دون ان يثقلها ولا يشوه تاريخها ميراث استعماري قام على اساس قهر الشعوب واستغلال مواردها والهيمنة الامبريالية على اقدارها والتحكم في مصائرها على نحو ما تجسد في سلوك امبراطوريات الاستعمار القديم البرتغالي والاسباني ثم الاستعمار العتيد الانجليزي والفرنسي، لهذا كانت اولى النقاط السود في تاريخ علاقات امريكا مع العالم العربي هي اعتراف رئيسها ترومان باسرائيل بعد 17 دقيقة من اعلان قيامها في 15 مايو من عام 1948. كينيدي وعبدالناصر ولان السياسة مصالح وذرائع ولان العلاقات بين الدول في زماننا تقوم على أساس مبدأ التراضي والتسويات، فقد بدا العالم العربي منذ عقد الخمسينيات على استعداد للقبول بالتعاون مع امريكا رغم اعترافها بكيان الاستيطان الاستعماري العنصري في فلسطين خاصة وقد بدت الامور وقتها وكأن بريطانيا هي القابلة التي ولدت على يديها اسرائيل وكأن فرنسا هي حاضنة اسرائيل حيث امدتها بالسلاح والتأييد السافر على نحو ما تجسد صارخاً في عدوان السويس الثلاثي في عام 1956، ورغم عقبات كثيرة فقد شهدت مرحلة جون كينيدي ـ جمال عبدالناصر بدايات تفاهم على تناول موضوعي لقضية العلاقات الامريكية ـ العربية قام على أساس احترام متبادل بين رئيس مثقف واعد في البيت الأبيض في واشنطن وزعيم شاب بدوره كان يجسد امال امة العرب في مرحلة مدها القومي وتطلعها بالتنمية والتكامل إلى المستقبل في منشية البكري بالقاهرة.ولان التاريخ الانساني لا يسير في اتجاهات مستقيمة ولا حتى منطقية فقد شهدت السنوات الاربعون الا قليلاً التي اعقبت اغتيال جون كينيدي المفاجيء في نوفمبر عام 1963 تدهوراً يكاد يكون مطردا في علاقات العرب مع امريكا.. وكان هذا التدهور يزداد خطرا وخطورة كلما ازداد واتسع التأييد الامريكي لإسرائيل التي ساندها ليندون جونسون في عدوان عام 1967 ثم هاهي تلقى دعماً يومياً للأسف ومؤازرة تبلغ في حدتها درجة الاستفزاز من جانب إدارة الرئيس بوش ـ الثاني الحالية، كيف لا وقد بلغ هذا التأييد المستفز الحد الذي اضفت فيه الادارة صفة «رجل السلام» على ارهابي محترف ارتكب جرائم حرب باعتراف دوائر واطراف شتى في العالم وفي مقدمتها دوائر واطراف امريكية «الكاتب الامريكي جيمس بامفورد مثلاً في كتابه الموسوعي بعنوان «مستودع الأسرار» عن وكالة الامن القومي الأمريكية وقد قدمت «البيان» عرضاً تحليلياً له حال صدوره على عدة حلقات في صيف العام الماضي. عن القوى الناعمة اياً كان الأمر فها نحن نشهد مثل هذا النفر من المثقفين الامريكيين الكبار وهم يعترفون بأن سياسة بلدهم اصبحت محل رفض في العلم وان مجتمعهم ـ رغم ايجابيات عديدة فيه ـ ينظر اليه الاخرون بعين البغض الشديد في بعض الاحيان. وها نحن نرصد من خلال الادبيات والحوليات السياسية التي نجهد في متابعتها من داخل امريكا نفسها محاولاتهم لمواجهة هذا التيار من الكراهية بوسائل شتى منها رسائل الميديا الاعلامية ومنها جهود الجذب والتأثير الثقافي ـ الاستثمار طويل الاجل كما يسميه السفير كريستوفر أو «القوى الناعمة» أو «اللينة» حسب التعبير الذي اصطنعه مثقف امريكي بارز اخر هو «جوزيف ناي» في دراسته الشهيرة الصادرة عام 1990 تحت عنوان «الطابع المتغير للقوة الامريكية» وسواء على الامريكيين ان يحشدوا ترساناتهم من اجهزة الميديا ومحترفيها ومن سبل التأثير الثقافي ـ تبادلات وبعثات وميزانيات وهم قادرون عليها ـ لكن ترى.. هل يدركون اولاً وقبل كل شيء ان هذا كله يظل في حكم الاساليب والمناهج وان هدفهم الاثير المعلن في محاولة جذب قلوب العرب وكسب عقولهم انما يتحقق باتباع منطق العدل والكيل بمعيار واحد اسمه بالمصادفة، منطق الموضوعية الذي ينبغي تكريسه واسقاط منطق العدوان بطائرات الاف ـ 16 ومروحيات الاباتشي؟ سيظل هذا بالضبط هو السؤال المطروح ـ كاتب وسياسي من مصر