يعتبر البعض ان تغيير نمط الحياة اليومي، والسير بعكس اتجاه المألوف وكسر الروتين كتغيير الوظيفة مثلا او تغيير نمط الثياب كلية او مكان السكن لفترة مؤقتة نوع من الرعب،، لا يريدون التورط فيه خوفا من الآخرين او ضمانا لمكتسبات معينة يضمنها لهم هذا التكرار، او هذا الروتين الذي يتبعونه بينما يعتقد البعض الآخر ان التفكير بمنطق الاشجار التي تغرس وتموت في نفس المكان امر غير محتمل بل وقاتل احيانا. وبين الاتجاهين تتأرجح حياة وانماط سلوك معظم الناس من حولنا، واتذكر هنا انني تحدثت يوما عن نظرية البقاء حتى الابد في الوظيفة ذاتها، مما يعني عبور الطريق نفسه يوميا، ومشاهدة المناظر ذاتها والالتقاء بنفس الوجوه وممارسة نفس التفاصيل بشكل يقترب بك من الآلية احيانا وكأنك (روبوت) او انسان آلي، لدرجة انك ودون ان تشعر تفضل ان توقف سيارتك في نفس المكان الذي اوقفتها فيه منذ سنين. لكنك اذا عدت بذاكرتك قليلا ستتذكر ان اخبارا كثيرة قد قرأتها او سمعت بها تتعلق باحصائيات تنشرها منظمات صحية غربية مستقلة واخرى تابعة للامم المتحدة ترصد متوسط اعمار الانسان في الغرب، وتتحدث عن فتوح جديدة في مجال زيادة متوسط هذا العمر وتبشر بتناقص معدلات الوفيات بسبب الامراض المعدية وسوء التغذية بنسبة 50% نتيجة تحسن الاداء الاقتصادي واكتشافات الطب. السؤال الملح هنا: لماذا يجتهد الانسان ليزيد في سنوات عمره؟ ولماذا كانت مواجهته الاولى ومعضلته الابدية مع الموت؟ لماذا تسكنه منذ الازل رغبة الخلود، والبحث عن اسراره مهما كلف الامر؟ ان هذا الاحتفاء الانساني الأبدي بالحياة، والرغبة المطلقة في معانقتها، لا يتناسبان مع هذا الهدر الاحمق الذي يرتكبه هذا الانسان في حق عمره، حيث يدمن التكرار القاتل الذي يحرمه من اجمل فرص العيش، وتضييع الحياة بأسرع وقت ممكن. ان الجلوس على الارائك وادمان الفضائيات في غير ضرورة، والتردد على بعض الاماكن مثل المقاهي والمراكز التجارية لتضييع الوقت او من قبيل الاعتياد ومجالس النميمة، والنوم الزائد عن الحاجة، وهدر الاوقات على جهاز الهاتف مع نفس الاشخاص ونفس الاحاديث، ثم التشبث بوظيفة تشكو منها اكثر مما ترضى والتي لا تحتاج لاكثر من ساعة عمل لانجازها بينما يكبلك العمل والروتين بست او سبع ساعات اغلبها يذهب في احاديث مكرورة وفي شرب الشاي وقراءة الصحف، كل هذا دليل على اننا لا نحتفي بالحياة بل نعجل في انهائها.