فتح ملف توطين الوظائف في سوق العمل بالدولة بات ينحى اتجاها آخر، لا يعدو عن كونه مجرد كلمات رنانة تصطدم بواقع الأداء الوظيفي، ذلك ان بعض القطاعات تتجنى على جودة العمل ونوعية الانتاج بالتمييز بين الموظف وزميله ما يضعف روح الفريق الواحد وبالتالي يؤثر بالسلب على مستوى رضا العملاء. ومما لا شك فيه اننا مع توطين سوق العمل ومنح شباب الامارات الفرصة لخدمة وطنهم، وذلك كحق دستوري، وعلى الدولة بهيئاتها ومؤسساتها وبدوائرها ان توجد هذه الفرص، حتى لو كان ذلك على حساب التخصص والنوعية، واستعداد المواطن للدخول في معركة الحياة. وعلى الرغم من ايمان البعض بأهمية توظيف الموارد البشرية المواطنة وضرورة تفعيل سياسة التوطين كوسيلة لاذكاء خطى التنمية بالدولة وتوفير الجو الصحي للانتاج واعمار البلاد، إلا انه لا يتجرأ ان يحمل هذا الحس الوطني إلى محيط استثماراته، ولا يقدم على اتخاذ خطوة نحو توطين العمل في مشاريعه التجارية، فهاجس التوطين لديه يتعثر عند عتبة الجهة الحكومية التي يساءل عنها، وكأن امواله الخاصة اعز عليه من املاك الدولة. كما ان المعايير التي تضعها بعض الجهات الحكومية في برامج التدريب الدورية لتطوير قدرات ومهارات موظفيها ساهمت - ولا شك - إلى حد كبير في الارتقاء بمعدل الانتاج ودعمت سياسة الابتكار والتميز في العمل الحكومي، إلا انها ظلت محكومة باطارها النظري الذي لا يمكن ان يحصل الموظف فيها على ادوات التخصص. ولا شك ان التطور الذي تنعم به الدول الغربية اليوم جاء من منطلق الحرص على انتقاء الاكثر تفوقا من بين المتفوقين في التخصصات المختلفة، وتوظيف العقول المهاجرة، وإذا كنا نرى في الدولة اليوم نواة التقدم في العالم، فان ما ينغص هذا التوجه هو عدم توافر الامان الوظيفي للوافدين من موظفي بعض الدوائر والمؤسسات الحكومية فيها، وهو أمر لا نتوقع منه في ظل غياب الحوافز ان نخرج منه بمردود ايجابي ان نحن لم نعطه حقه. وللاسف فان الكثير من الوافدين العاملين في المؤسسات الحكومية يضطر إلى ان يتنازل عن بعض مبادئه في سبيل كسب مودة بعض الجهات التي أملت عليه وظيفته التعامل معها، حتى يضمن لنفسه عملا إذا ما عاد إلى مكتبه يوما فوجد ورقة الاقالة بانتظاره، في الوقت الذي يبني القطاع الخاص علاقات حميمة مع موظفيه للعمل بروح الفريق الواحد، وفق مقاييس تعزز من ولاء كل منهما للاخر، وتحقق للموظف الامان والاستقرار الوظيفي، وفق منهج عمل واضح ومحدد الالتزامات بين الطرفين. وبينما تتفاخر بعض الدوائر والمؤسسات الحكومية بتطبيق نظام الادارة الشاملة نجد ان هذا المصطلح تحول في كثير من الاحيان إلى مجرد شعارات فضفاضة للترويج عن سياسة الدائرة تجاه موظفيها، مع ذلك لا يشرك جميع الموظفين في برامج التدريب إذ يحرم الوافد من حقه كموظف في التطوير وكأن العلم الذي جاء به قد اختتم عند هذا الحد، فكيف للخبير الاجنبي بعد ذلك ان يفتح قلبه للموظف المواطن في نفس مجال عمله ليستفيد من عصارة تجاربه وخبراته وان يستقي من المعرفة ما يؤهله لتسلم زمام الادارة من بعده ؟!