شاعر فلسطين سأحمل روحي على راحتي وأُلقي بها في مهاوي الرّدى فإمّا حياة تسُر الصديقَ وإما ممات يغيظُ العِدى ـ ـ ـ ذلك مطلع شهير لقصيدة شهيرة للشاعر الفلسطيني عبدالرحيم محمود الذي عاش منذ 1913 ـ 1948 وهو من قرية عنبتا بقضاء طولكرم في فلسطين. حياته عمل عبدالرحيم محمود في أثناء حياته في مجال العسكرية شرطيا وضابطا وفي الوظائف المدنية معلما وفي ميادين الجهاد ثائرا مجاهدا، بدأ هذا الانسان الطموح حياته العملية أول ما بدأ شرطيا في الناصرة واستمر في وظيفته مدة تقارب السنة ثم استنكف منها لان مدير البوليس البريطاني هناك كلفه بمطاردة بعض الوطنيين والقبض عليهم بناء على لائحة اتهام صادرة بحقهم حسب قانون جرائم الفساد فأبت عليه وطنيته أن يلحق أذى بهؤلاء المطلوبين ورفض الأوامر واستقال من الخدمة.. ثم ترك الناصرة متجها الى نابلس ليقدم طلبا لوظيفة معلم في الكلية التي تخرج فيها فمارس التدريس مدة أربع سنوات منذ 1933 وحتى 1937. ولقد حمل شاعرنا البندقية مجاهدا منضما الى فصائل الثورة تلبية لنداء الوطن واشترك في معارك عدة ضد القوات البريطانية وكانت الحكومة تعمل جاهدة للوصول اليه شأنه شأن بقية الثوار الذين طاردتهم السلطة للقبض عليهم والتخلص منهم شنقا أو اعداما، ففر شاعرنا الى دمشق فالعراق، وفي بغداد اتصل بالحاج محمد أمين الحسيني (الذي كان يعرفه) فيساعده على الدخول في الكلية العسكرية ببغداد ودرس فيها عاما واحدا (19391940) وتخرج فيها برتبة ملازم ثانٍ ومن رفاقه المجاهد عبدالقادر الحسيني شهيد معركة القسطل بجوار القدس. ولقد استأنف شاعرنا بعد تخرجه التدريس في البصرة في مدرسة العشار الابتدائية منذ 19401941 وكانت تتراءى له خلال تلك السنة صورة وطنه وأهله وأصدقائه حتى جاش في نفسه الحنين إلى الديار إلى فلسطين فقال: تلك أوطاني وهذا رَسْمُها في سويداءِ فؤادي مُحْتَفرْ لا أرى الجنّة إن أُدْخِلْتها وهيَ خلوٌ منكِ إلاّ كسقر وتلك مبالغة شاعر لا يقصد منها إلا شدة تصوير حنينه وشوقه لوطنه كما قال شوقي: وطني لو شُغِلْتُ بالخُلْدِ عَنْهُ نازعتني إليهِ في الخُلدِ نفسي وفي الثاني من مايو 1941 قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني فاشترك فيها مع اخوة له من مجاهدي فلسطين الذين لجأوا للعراق ولَمّا لم يُكتب النجاح لتلك الثورة وتفاديا من الوقوع في أيدي السلطة فر من العراق إلى فلسطين وأخذ يقطع الصحراء الشامية طريدا وحيدا وصادفه في تلك الرحلة الشاقة ما بين العراق والشام حجر من «الصفاح» (أي من الحجارة العريضة) فعرف انه أصبح قريبا من تدمر لقول النابغة الذّبياني: وخيسَ الجِن أنّي قد أذِنتُ لَهُم يبنون تَدْمُرَ بالصفاحِ والعُمُدِ وعند ذلك الحجر جلس شاعرنا عبدالرحيم محمود يخاطبه يقول: فيمَ انفرادُك لا أنيسَ تراهُ في القَفْرِ المُخيف في رِبقَةِ الوهجِ الحرورِ وغِل عاصفةٍ عَصوفِ وصبرت للهوج اللوافحِ في الضحى صبرَ الأنوفِ أرضيتَ وحدةَ راهِبٍ فيها وعُزلَةَ فيلسوفِ استشهاده وبعد قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947 ترك وظيفته وانتظم ملازما في جيش الانقاذ الذي جاء الى فلسطين بقيادة «فوزي القاوقجي» وفي منتصف ديسمبر 1948 سافر الى دمشق للاشتراك في دورة تدريبية ثم قبل ان يعود وفي حفل وداع كتيبته قال قصيدته: دعا الوطن الذبيح إلى الجهادِ فطار لفرط فرحته فؤادي ورجع إلى «طولكرم» وتسلم سرية من سرايا فوج حطين بجيش الانقاذ وفي ساعة حاسمة من صباح يوم 13 يوليو 1948 ومعركة الشجرة الثانية في ذروتها تقدمت مجموعة من مناضلي جيش الانقاذ بقيادة ملازم يبسم للموت «ذلك هو شاعرنا» فاستشهد بقنبلة من قنابل العدو فسقط في أرض المعركة شهيدا وكأنه نال ما أراد حين قال: أرى مصرعي دون حقي السليبِ ودون بلادي هو المبتغى ـ ـ ـ ومما قال في قصيدته تلك وظل شاعرا خالدا: لعمرك هذا مماتُ الرجالِ ومن رام موتاً شريفاً فذا فكيف اصطباري لكيدِ الحقودِ وكيف احتمالي لسوم الأذى أخوفاً وعندي تهون الحياةُ وذلاً وإنّي لرَب الإبا وقلبي سأدمي وجوه العِداةِ فقلبي حديدٌ وناري لظى وأحمي حياضي بِحَد الحُسامِ فيعلمُ قومي بأنّي الفتى ـ ـ ـ رحمه الرحمن شاعر فلسطين الأول والذي لا شاعر لها بحق بعده لانه ذب عنها بشعره وروحه بلسانه وسنانه، فرحم الرحمن عبدالرحيم محمود.