نجح الشارع العربي حتى الآن في إعادة تأكيد حيويته وفي إحداث ضغوطاتٍ سياسية هامة على مراكز القرار الرسمي في المنطقة وفي العالم.وقد اشترك الوزير الأمريكي كولن باول، مع عدة وسائل إعلامٍ أمريكية في تفسير أسباب التحرّك الأمريكي الجديد، بأن مرجعه هو ما حدث ويحدث في الشارع العربي من مظاهراتٍ شعبية حاشدة أصبحت مصدر قلقٍ للإدارة الأمريكية، ولما يمكن أن تتركه هذه المسيرات من آثار على المصالح الأمريكية في المنطقة العربية وعلى العلاقات الأمريكية الخاصة مع بعض البلدان العربية، إضافةً إلى تزايد المقاطعة الشعبية العربية للمنتجات وللشركات الأمريكية العاملة في المنطقة. ولا شك في أن حجم وحشية العدوان الإسرائيلي من جهة، وعظمة الصمود الفلسطيني من جهةٍ أخرى، ساهما في تحريك الشارع العربي بشكلٍ جيد حتى الآن. لكن إلى أي مدى يمكن بناء التوقّعات على حدوث مواجهةٍ عربية شاملة مع إسرائيل نتيجة الحيوية القائمة في الشارع العربي؟ الممكن المستحيل أعتقد أن المواجهة المسلّحة لإسرائيل ستبقى محصورةً بشكلٍ رئيسي في الساحة الفلسطينية وربما في الشريط الحدودي مع لبنان، ولن تصل إلى حد المواجهة الشاملة على كل الجبهات العربية المحيطة بإسرائيل.فالمقارنة بين العدوان الإسرائيلي اليوم على الشعب الفلسطيني وبين الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تؤكد صعوبة حدوث مواجهة شاملة في هذه المرحلة.عام 1982، قام العدوان الإسرائيلي (بقيادة شارون نفسه) باستهداف لبنان وسوريا والفلسطينيين معاً، ووصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى بيروت، وحاصرتها لعدة أشهر، ثم قامت مع ميليشياتٍ عميلة بارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا التي هزت إعلاميا المجتمع الدولي كلّه، وخضعت بيروت بعد ذلك (كأول عاصمةٍ عربية) للاحتلال الإسرائيلي..ورغم هذه التطوّرات كلّها، بقيت الجبهات العربية الأخرى المحيطة بإسرائيل مضبوطةً عسكرياً ولم تحدث المواجهة الشاملة رغم عنف العدوان الإسرائيلي وشموليته لثلاثة أطراف عربية: لبنان وسوريا والفلسطينيين. صحيح أن الشارع العربي لم يتحرّك آنذاك كما يتحرك اليوم (بل كان بعض هذا الشارع منشغلاً بمتابعة «المونديال» في كرة القدم)!، لكن أيضاً كانت الظروف الدولية للعرب أفضل حالاً مما هي عليه الآن، ومع ذلك لم تحدث مواجهة شاملة. عام 1982، كان الاتحاد السوفييتي حياً يُرزق ويتنافس بشدةٍ مع الولايات المتحدة، وكانت أوروبا الشرقية ودول عديدة في آسيا وأفريقيا تقف إلى جانب العرب والقضية الفلسطينية، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية في أوج قوتها السياسية والإعلامية على الصعيد الدولي بينما كانت إسرائيل معزولةً عالمياً، وكان العرب أفضل حالاً من حيث القوة العسكرية والاقتصادية، ولم تكن هناك آثار غزو الكويت ولا دمار وخسائر الحرب العراقية ـ الإيرانية، ولا خسارة قدرات العراق التي استنزفت في حربيّ الخليج.. في مطلع الثمانينيات، كان المسلمون في العالم قوةً مناصرة للغرب في حربه ضد الشيوعية، وفي معارك «المجاهدين الأفغان» ضد الحكم الشيوعي، ولم يكن كلّ مسلم أو كلّ عربي «إرهابياً» حتى يثبت العكس.ظروفٌ كثيرة تغيرت بعد عشرين عاماً، فالقدرات العربية أضعف، والظروف الدولية أسوأ مما كانت عليه عام 1982. صحيحٌ أن الشارع العربي هو في «درجة الغليان»، لكن الوضع الرسمي العربي هو في «درجة الجمود الكامل»، حيث يستمرّ الواقع الرسمي العربي الذي كان قائماً منذ عشرين عاماً رغم كلّ المتغيّرات الدولية في الشرق والغرب! حيوية الأمة ورغم الطبيعة العدوانية للحكومة الشارونية، فإن إسرائيل لن تجد مصلحةً الآن في توسيع دائرة حربها المشتعلة ضد الفلسطينيين، بل هي تسعى لحصر كلّ طاقاتها في خدمة عدوانها على الشعب الفلسطيني ولا تُحبذ فتح جبهاتٍ عسكرية جديدة مع أي طرفٍ آخر يأخذ من معركتها مع الفلسطينيين ولا يعطيها.إذن، لا أعتقد أن شمولية المواجهة العسكرية مع إسرائيل هي توقّع محتمل في القريب المنظور، رغم الغليان الحاصل في الشارع العربي. لكن أهمّية هذا التحرّك الشامل على المستوى المدني العربي تظهر من خلال تأكيد حيوية الأمة ورفضها لكل محاولات التركيع والتيئيس والاستسلام، وبأن الشارع العربي هو واحد في آلامه وفي معاناته وفي وجدانه، وبأنه يرفض كل محاولات التمييع للهوية العربية المشتركة بين أبنائه، وبأنه لم يمضغ ولم يهضم كل المشاريع البديلة التي طُرحت عليه في العقدين الماضيين.. فلم تأسره الهويات المحلية أو الطائفية أو القبلية، ولم تخدعه دعوات «الشرق أوسطية» أو العولمة أو الادّعاءات المتكرّرة أمامه بسقوط الهوية العربية وبدعوته للبحث عن بديلٍ أصغر أو أكبر من هذه الهوية حتى يتوه فيصغر تأثيره وتكبر مشاريع التسلّط والهيمنة لقوى إقليمية ودولية طامعة في الأرض العربية وثرواتها. ظروف الشارع العربي وحركته المؤثّرة الآن، هي دون شك أفضل بكثير مما كانت عليه عام 1982.ظروف الشارع الفلسطيني وحركة مقاومته المؤثّرة الآن، هي حتماً أنجع بكثير مما كانت عليه عام 1982. وسيكون العدوان الشاروني خاسراً في الأحوال كلها أمام هذا الصمود الفلسطيني العظيم: سيخسر شارون وحكومته إذا استمر بعدوانه لأن العالم كلّه بدأ يدرك أن الفلسطينيين (والعرب عموماً) هم ضحية وليسوا مصدر «الإرهاب»، وبأن إسرائيل هي احتلال عدواني ضد كل الشرائع الدولية. وسيخسر شارون أيضاً إذا رضخ لهذا الصمود الفلسطيني وللتضامن الدولي والعربي معه، وإذا تراجع العدوان وتحقق للفلسطينيين انتصارهم السياسي ببناء دولةٍ فلسطينية مستقلّة على كلّ الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967. إن وحشية العدوان الإسرائيلي عام 1982 على لبنان ومن فيه من سوريين وفلسطينيين، هي التي ولدت المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وانتصرت هذه المقاومة بعد 18 عاماً وانهزم جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان. تُرى، إذا كانت المقاومة الفلسطينية، قبل العدوان الإسرائيلي الشاروني الأخير على الأراضي الفلسطينية، قد قدمت العديد من الشهداء في سبيل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، فكيف سيكون الحال بعد هذا العدوان، وكم ألفٍ من الفلسطينيين سيكونون على استعدادٍ للموت انتقاماً مما حصل ويحصل من مجازر إسرائيلية في المدن والمخيمات الفلسطينية؟ نتائج عكسية ورغم بشاعة المنظر على سطح الأحداث الآن، فإن شارون قد ساهم عن غير قصدٍ، من خلال عدوانه الوحشي الأخير، في خدمة القضية الفلسطينية والحال العربي عموماً: فالعدوان الحاصل أعاد الاهتمام بالقضية الفلسطينية على كلّ المستويات الدولية والعربية، وعادت القضية الفلسطينية لتكون هي الأصل وهي الجوهر في الصراع العربي الإسرائيلي، فسقطت بذلك كلّ المقولات التي كانت ترتبط بالمعاهدات الثنائية مع إسرائيل في ربع القرن الماضي، والتي كانت تبحث عن الأمن والسلام عن طريق الانعزال والانفراد، وسقطت أيضاً المراهنات التي حصلت في عقد التسعينيات (خاصة بعد اتفاق أوسلو) على فوائد تقديم التنازلات المبدئية مقابل الاعترافات الشكلية بالسلطة الفلسطينية. عدوان شارون ساهم أيضاً في إعادة الحيوية للشارع العربي وفي إمكانات ضغط هذا الشارع السياسي من أجل قطع كلّ العلاقات مع إسرائيل وتهديد المصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية في المنطقة نتيجة الدعم الأمريكي للموقف الإسرائيلي.العدوان الشاروني الراهن ساهم أيضاً في عزلة إسرائيل (وأمريكا أحياناً) في العديد من البلدان الغربية تحديداً، مما صحح الكثير من الآثار السلبية التي بناها الإعلام الصهيوني في الغرب بعد الأحداث الإرهابية في أمريكا يوم 11 سبتمبر الماضي. فأوروبا، بل العالم كلّه يشاهد يومياً حجم الإجرام الإسرائيلي، وبدأ يدرك أن المنطقة العربية هي ضحية لعدوانٍ أكثر مما هي مصدر «إرهاب» للعالم، وبأن الصراع في فلسطين والمنطقة العربية هو صراع بين مقاومة وبين احتلال، وليس بين دولةٍ ضحية وجماعاتٍ «إرهابية». تحول ايجابي وحينما يستقلّ الموقف الأوروبي الغربي (سياسياً وإعلامياً) عن الموقف الإسرائيلي والأمريكي، فإن في ذلك إسقاطا هاما لمقولة «صراع الحضارات»، حيث الغرب الأوروبي (المسيحي بمعظمه) يقف مع حق الشعب الفلسطيني (بمُسلميه ومسيحيّيه) في صراعه ضد المحتل الإسرائيلي.حتى في الساحة الأمريكية، فإن العدوان الشاروني أحدث حالة من اليقظة المحدودة نسبياً في الإعلام الأمريكي وفي الرأي العام الأمريكي، وهي يقظة يمكن البناء كثيراً عليها إذا استمر العدوان الإسرائيلي وتعنّته في رفض قرارات مجلس الأمن والدعوات الأمريكية الخجولة بالتوقف عن العدوان.دروس التاريخ تفيد: بأن الإمبراطوريات تبدأ حالة السقوط حينما تصل إلى مرحلةٍ تستخدم فيها كل قوتها وجبروتها ضد شعوبٍ ضعيفة.. وبأن نهاية الاحتلال تكون حينما تعجز قوات أيّ احتلال عن وقف مقاومته. التاريخ سيكتب الآن: إن مزيج وحشية العدوان الإسرائيلي والعجز الرسمي العربي عن المواجهة الشاملة مع إسرائيل، هو الذي أدى إلى ولادة المقاومة الشعبية المسلّحة ضد الاحتلال الإسرائيلي. فكم من الإيجابيات تولد في رحم السلبيات.. إنها حكمة الخالق ومنطق تاريخ الشعوب !! ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن