صعود اليمين المتطرف في أوروبا إلى السلطة لن يغير المستقبل السياسي للقارة فحسب، بل أيضا ـ ضمن أشياء أخرى ـ مستقبل العلاقة بين أوروبا والعالم العربي. فما هي القواسم المشتركة لأحزاب اليمين المتطرف، في بلدان الاتحاد الأوروبي وكيف يمكن أن تسهم هذه القواسم في بلورة طبيعة العلاقة المستقبلية بين أوروبا والأمة العربية؟ بالطبع يطرح هذا السؤال في مناسبة الحدث الزلزالي الانتخابي الذي وقع في فرنسا الاسبوع المنصرم، حين أسفرت نتائج الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، ليس عن هزيمة تيار اليسار فحسب، بل أيضا نجاح مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبن، للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، في احراز المرتبة الثانية مما يؤهله لخوض الجولة الثانية كمنافس وحيد لمرشح اليمين المعتدل.. وهو الرئيس الحالي جاك شيراك. وبالرغم من انه ليس من المنتظر أن يحقق لوبن فوزا نهائيا، إلا ان ما ناله من تأييد شعبي واسع يجعل من تيار اليمين المتطرف قوة المستقبل السياسية في فرنسا. فما هي أجندة هذا التيار؟ لنستذكر أولا أن صعود اليمين بدرجاته المتفاوتة يتنامى كظاهرة أوروبية لافتة خاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة. ورغم ان لوبن أحرز انتصارا سياسيا دراميا من خلال صندوق الاقتراع إلا انه ـ رغم تطرفه ـ ليس الأوحد من نوعه في أوروبا. فقد سبقه الى انتصار مماثل يورج هايدر زعيم «حزب الحرية» في النمسا قبل بضع سنوات. وتبع ذلك انتصار انتخابي لليمين في كل من اسبانيا وايطاليا، بينما يكسب اليمين أراضي جديدة في ألمانيا.هناك عاملان رئيسيان يمثلان القاسم المشترك بين أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا: التأكيد على الهوية الثقافية المشتركة للشعوب الأوروبية على المستويين المحلي والاقليمي، ومناهضة تيار العولمة بشقيه الاقتصادي والثقافي. وربما يقال ان أيّاً من هذين العاملين الرئيسيين أو كليهما لا يطرح تناقضا حضاريا أو استراتيجيا بين شعوب أوروبا وشعوب العالم العربي. هذا صحيح.. لكن تتفرع عن هذين العاملين قضايا غالبا ما ستكون موضع صدام بين أوروبا والعالم العربي في المستقبل، إذا صعدت أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف إلى السلطة، خاصة في فرنسا وألمانيا.في مقدمة هذه القضايا اثنتان: قضية المهاجرين من عرب ومسلمين من ناحية، وانتشار الاسلام كدين وثقافة في أوروبا من ناحية أخرى. والشعارات المعادية للأقليات من أصل أجنبي التي ترفعها أحزاب اليمين المتطرف إنما تنبثق أصلا من أطروحة المحافظة على الهوية الثقافية الأوروبية. مع ذلك فإنه تتفرع عن هاتين القضيتين مسائل أخرى، ربما تشكل في الحقيقة نقاط التقاء، لا صدام، بين أوروبا المستقبل والعالم العربي. فالعداء الذي تكنه أحزاب اليمين المتطرف ضد الأقليات اليهودية في البلدان الأوروبية يحتل أولوية على العداء ضد غيرها من الأقليات. وعلى الصعيد السياسي الخارجي فإن العداء المتصاعد لليهود والحركة الصهيونية تترجمه الأحزاب اليمينية إلى تأييد للفلسطينيين ضد اسرائيل. ثم ان لأطروحة المحافظة على الهوية الثقافية الأوروبية وجها آخر قد يجتذب الشعوب العربية، فهي تنطلق من عداء معلن للعولمة الثقافية التي تتمثل في الغزو الثقافي الأمريكي على مستوى العالم. أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف تعارض أيضا العولمة الاقتصادية. فبالرغم من انها لا تعارض فلسفة «اقتصاد السوق»، إلا انها تقف أولا ضد تحجيم دور الدولة في المجالات الاجتماعية كالتعليم والعلاج والاسكان من ناحية، وضد ازالة الحواجز الجمركية بين الدول بما يتيح لرأس المال الأمريكي ابتلاع المؤسسات الاقتصادية والتجارية المفتاحية في دول أوروبا.وهكذا فإن علاقة العرب مع أوروبا المستقبلية قد تكون حافزا لصدام حضاري، بقدر ما تكون حافزا لتحالف استراتيجي ضد الهيمنة الأمريكية والاخطبوط الاسرائيلي. ولنفتح حوارا مع أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف منذ الآن.