العدوان الاسرائيلي على مناطق السلطة الفلسطينية ألحق خسائر جسيمة بالجانب الفلسطيني. الاحصاء الدقيق لهذه الخسائر بالمعنيين المادي والبشري سوف يستغرق بعض الوقت، لكن الاضطلاع به مسألة ضرورية، وذلك لمساءلة اسرائيل عن جريمتها اثناء الاجتياح ضمن مسئوليتها الأكبر بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.لا ينبغي لنا الاستهانة بمثل هذا الرصد، مهما قيل عن تضخم سجل الارهاب الصهيوني الاسرائيلي. ان افلات اسرائيل بجرائمها منذ ولدت الى هذا اليوم، لا يعني انها ستنجو من المساءلة إلى الأبد. جرائم الحرب لا تسقط عموما بالتقادم. واذا كانت المعطيات الاقليمية والدولية قد أغرت المسئولين الاسرائيليين مطولا بأنهم بمفازة من العقاب المادي والاخلاقي، فإن علينا ان نتذكر كيف أن هذه المعطيات لا تتسم بالديمومة الأبدية. والأطر الصهيونية والاسرائيلية ذاتها أخذت بهذه القناعة، وبوسعنا استلهام تجربتها مع العهد النازي والنظام الألماني الوريث. فهي على مدار العقود الممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف عن ملاحقة رموز ذلك العهد وورثته. ومازالت تتولاهم بحملات الإدانة والتجريم والمطالبات متعددة الانماط، ثم إن عملية الرصد هذه تنتمي لجهة الحفاظ على الذاكرة الجمعية، فلسطينيا وعربيا، التي تعرّف الخلف بتضحيات السلف وبطولاته، ومن البديهي أن هذه الذاكرة هي التي تصون حيوية الشعوب المتحضرة وتمنحها صفة استحقاق الاستمرارية، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش بذاكرة. شحن الذاكرة الفلسطينية بجديد الاجرام الصهيوني الاسرائيلي استحقاق مهم. ولا يقل عن ذلك أهمية والحاحا ان ينشغل الفلسطينيون، بمستوياتهم الفكرية والحركية، بمدارسة تداعيات الاجتياح واستخلاص عبره ودروسه بالنسبة لخطواتهم المقبلة فتصل هذه المراجعة الشاملة بكل أبعاد قضيتهم الوطنية، سياسيا وعسكريا واعلاميا واقتصاديا ونفسيا، وذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي (اقليميا عربيا ودوليا).. في سياق هذه العملية، سيكتشف المعنيون أن الاجتياح خلف قضايا كثيرة، يتعين ان تقع معالجتها في صلب اهتماماتهم، العاجلة منها والآجلة. فلنتأمل بعض النماذج الممثلة لهذا الطرح بلا ترتيب وبدون حصر. أولا، اثبت الشعب الفلسطيني مجددا استحواذه على طاقة كفاحية قوية. لقد تصدى لهجمة بربرية على نحو يخالف توقعات أكثر المتابعين تفاؤلا، الأمر الذي يبعث على الفخر. ولكن ثبت ايضا ما يعانيه المقاومون من نقص في جانب العتاد والسلاح والاستعدادات المناسبة لنوعية الهجوم الاسرائيلي الغاشم، وهذه نقيصة تستأهل الاهتمام والاستدراك بكل السبل والممكنة. ثانيا، أدارت القيادة الفلسطينية، الرئيس عرفات بالذات.. المعركة بروح صلبة معنويا، أذهلت الاعداء قبل الاصدقاء، وكانت هذه الروح أحد بواعث الثقة بالذات فلسطينيا، وائتلاف القوى الداخلية سياسيا ونضاليا (ميدانيا) بل انها أتاحت للمحيط العربي الاستقواء ضد الضغوط الخارجية (الأمريكية بخاصة) للتخلي عن شرعية هذه القيادة ومشروعيتها، ولهذا دلالات لا ينبغي ان تخفى لجهة استمرار القيادة في الاستناد الى الشرعية الفلسطينية قبل أي عامل آخر وكذا لجهة اعتبار الاستعصام بالحقوق الوطنية سبيلا مضمونا ومأمونا للمؤازرة الداخلية وتحقيق الوحدة الوطنية والالتفاف العربي القومي اقليميا. ثالثا، لم تتمكن اسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة من تحقيق هدف ازاحة القيادة الفلسطينية، ليس فقط بسبب الثقة الداخلية في القيادة ولكن أيضا لأن هذه الثقة المرسلة تعززت ذات حين بالانتخابات، وهكذا، كان بوسع القيادة مواجهة الضغوط العاملة على استبدالها، بهذا الاجراء الديموقراطي، ونزعم ان هذا الاجراء ذاته اعطى لمناصري القيادة حجة داحضة في وجه الهدف الاسرائيلي الأمريكي. لقد كان من الصعب على الأوروبيين وقوى اخرى كثيرة مثلا، تأييد مطلب التخلص بالقوة من قيادة فلسطينية منتخبة. وفي هذا موعظة بليغة بشأن ماتنطوي عليه الديموقراطية من مزايا للقيادة، علاوة على مزاياها الشعبية الديموقراطية، حتى بجرعتها الموجودة التي يمكن المناقشة حول مستواها، كانت أحد أهم السياجات التي درأت اخطارا محدقة بمصير القيادة الفلسطينية. هناك ضرورة اذن لتعزيزها والارتقاء بآفاقها. رابعا، جدد الشارع العربي رسالته بخصوص نصرة فلسطين. وقد استشعر سواد الأمة العربية حجم الخطر الذي تمثله الصهيونية، ان هي انطلقت بمضامينها العنصرية البغيضة، وممارساتها الدموية في أرض العرب. ورغم نبل هذه التعبيرات الشعبية التي حفت بالطليعة المجاهدة في فلسطين ابان الاجتياح، الا انها تبقى بحاجة لترشيد. فهي مازالت موسمية الطابع، ضعيفة التأطير، غير موصولة بحبل الاستمرارية والدأب مع يوميات الانتفاضة. وهذا يجعل الحركة الشعبية أقرب الى الانفعال بالحالة الفلسطينية بأكثر من التفاعل معها. ومع ذلك فإن التعاطف الشعبي العربي مع هذه الحالة ومؤازرتها يطمئننا الى فساد نوايا وتكتيكات الفصل والقطيعة مابين الأمة وقضية فلسطين. لكن هذه الحقيقة تدعونا لتجديد النداء بمزيد من الانشغال الفلسطيني بالتواصل مع القوى الاهلية العربية، كظهير لا غنى عنه في أوقات الشدة، ولنا ان نتصور أي درك من الضغوط والتجبر كان يمكن ان يبلغه التحالف الاسرائيلي الأمريكي ضد فلسطين، القيادة والانتفاضة، فيما لو تجذرت القطيعة العربية الشعبية مع الجبهة الفلسطينية. خامسا، لم تنجح الجهود الاسرائيلية الأمريكية في اثارة حرب أهلية فلسطينية. العكس هو الذي حدث بقوة التلاحم الميداني بين القوى التي لم يفرق بينها ارهاب الاجتياح ونيرانه. لكن واشنطن توجه مساعيها الى اثارة حرب فلسطينية عربية، عبر حث أطراف عربية على وصم المقاومة الفلسطينية، العمليات الاستشهادية منها بخاصة، بالارهاب واعمال القتل، وهذا يقتضي يقظة فلسطينية عربية قوية. علما بأن مسايرة النظم العربية للهدف الأمريكي سوف يوسع الهوة مابينها وبين شعوبها. وقد يفضي ذلك الى تشاحن في النظام العربي نحن في غنى عنه ولا مبرر له على الاطلاق. سادسا، قد يذهب الخيال السياسي الاسرائيلي الى ان الاجتياح فتح عيون الفلسطينيين الى حقيقة موازين القوى المختلة لغير صالحهم. وهذا سيدعو القيادة الاسرائيلية الى انتظار حصاد سياسي من وراء عملياتها الاجرامية الاخيرة، ولذا فإنه من الأهمية القصوى بمكان ان تستعصم السياسة الفلسطينية بمواقفها الوطنية الصلبة، عاملة بالقاعدة التقليدية التي خلاصتها ان نتائج الحروب والمعارك تقاس بمدى تأثيرها على الارادة، ومهم ايضا لهذه السياسة ان تتذكر قدرة الشعب الفلسطيني على اعادة التكوين واستمرار المقاومة في ظروف كانت لا تقل في ضراوتها ووطأتها عن هذه التي خلفها العدوان الاخير. بالاضافة الى هذه الجوانب، فقد اتضح في غمرة الاجتياح ان لفلسطين انصارا بين القوى المدنية والحقوقية الدولية، لقد كانت أصوات هذه القوى أكثر حضورا وتأثيرا مقارنة بالمواقف الحكومية، وسوف تكون خسارة حقيقية للسياستين الفلسطينية والعربية ان اغفلتا خطوط الاتصال مع هكذا أصوات، وذلك ان فلسطين ستظل بحاجة الى التفاف العاطفين على حقوق شعبها في الاطار الدولي بوتيرة متزايدة في المرحلة المقبلة. ومن المداخل المجدية على هذا الصعيد، ديمومة فضح الابعاد النازية الاجرامية للسلوك الاسرائيلي كما تجلت في أيام الاجتياح وعاينها الناس أجمعون. وردف ذلك باثارة المخاوف من هكذا ابعاد ارهابية حقيقية على السلم والأمن العالميين، بحكم تشابك المصالح في منطقة الشرق الأوسط التي تشيع فيها الفاحشة الاسرائيلية بلا ضوابط. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة