ما أجمل ان ينهض الانسان بعد انكسار وما أجمل ان تفسر له الهزيمة اسبابها والأحداث التي ادت اليها.. والجهة التي جاءته منها طعنة النهاية ولكن يبقى الأعظم هو ما تظهره لحظات الانكسار لصاحبها عن حقيقة معدنه ومعادن الآخرين. وما اصعب ان يترك المهزوم جيشه الذي خانه والارض التي انقلبت عليه وغدرت به ويبدأ من جديد في أرض قد تكون صحراء جرداء، وعزاؤه انها بالتأكيد خالية من الغدر والخيانة.. فهو على الاقل قد عرف كيف يحتاط من الخيانة ومن الغدر. يستطيع القائد القوي ان يتحمل كل انواع الخسائر لكنه لا يقوى أبداً على احتمال الخيانة، والخيانة لا تأتي إلا من أولئك الذين وضع القائد ثقته بهم فعرفوا مواطن ضعفه ومواطن قوته فلا يوجد انسان على الأرض ليست به مواطن ضعف. والخيانة تبدأ من خيانة الكلمة الى خيانة الوطن، من خيانة الوعد الى خيانة الجسد.. ومن يخون جسده يخون وطنه ويخون كل شيء في طريقه فالوطن مقدس والجسد مقدس ايضا.. ومن خان مرة يخون دائما.. ولكن ابشع انواع الخيانة تلك التي يرتكبها الخائن مع من سلم له مفاتيح حياته وخزائن اسراره فصار ينثرها في الهواء وعلى مفارق الطرقات، وعلى القائد الذي عركته الأيام وشهد أسوأها وأجملها ان يعيد تصنيف من حوله، ولا بأس من الهزيمة فالحياة أيام والأيام دول، يوم لنا ويوم علينا.. وان يبدأ فوراً في نفض غبار معركته التي هزم فيها بيد أحبائه وأنصاره وألا يعتبر نفسه مهزوما بل يعتبر نفسه في محنة مر بها وعاش تفاصيلها وان يعيد حساباته وان يعد نفسه كي يعاود انتصاراته من جديد. الرجل القوي يجب ألا تهزمه الأيام، ويجب ألا يضعف أمام نفسه، بل عليه ان ينهض وينظم أفكاره ويستعيد ثقته بنفسه ويبحث عن أرض جديدة ويبني جيشاً جديداً، ورب أرض جديدة بها موقع أفضل من كل مواضع الدنيا وبها قلب يغنيه بقية العمر عن كل تلك القلوب الضالة التي صادفته في حياته. يستطيع الرجل القوي ان يعيد انشاء الارض من جديد ويستطيع ان يجد من بساتينها ورودا أجمل بكثير من تلك الورود التي ظنها جميلة لكنها بلا روح أو رائحة. يستطيع الرجل القوي ان ينهض من كبوته بسرعة ليفاجيء خصومه وحاسديه والحاقدين عليه بعلمه وبكفاءته وقوة ارادته، وتمضي قافلته بثقة دون أن تلتفت الى عواء الكلاب من خلفه. عليه ألا يبكي على الارض التي فقدها ولا على الجنود الذين خانوه ولا على احبائه الذين سلموا لاعدائه مفاتيح هزيمته، ان يمسح دموعه بسرعة قبل ان يراها احد.. فالرجل لا يجب ان يبكي وان بكى فلا يجب ان يراه احد حتى أولئك الذين قد يقولون له انهم يحبونه، ففي هذا الزمان اصبح الحب لفظا مطاطا، قد يضم المصلحة والفائدة والفلوس والراحة والوصول الى غاية، فاذا لم يتحقق شيء منها انقلب هذا اللفظ الى كلمة لا معنى لها.. ايها القائد الراحل من أرض الهزيمة، لا تنكسر ولا تجعل الآخرين يشعرون بانكسارك فأنت لم تهزم.. فالذين انهزموا اولئك الذين خانوك، وحين تحقق انتصاراتك ويصل الى اسماعهم ما حققته سوف يلعنون ذلك اليوم الذي تخلوا عنك فيه وتركوك وحيداً تواجه الضياع، أنت لن تضيع لأن الرجال لا يضيعون.. وان ضاعوا فهم بالتأكيد ليسوا رجالاً حقيقيين.. وقل وداعا لكل الخونة وقل وداعاً لكل من طعنك، وداع لا أسف فيه عليهم ولا على أرضهم ولكن اسف على تلك الأيام التي ضيعتها، تعد المعركة وتقودها من أجلهم فكان جزاؤك أن خانوك.. قول أخير: لا يكفي ان تكون في النور لترى.. بل ينبغي ان يكون في النور ما تراه..!!