رغم اقرار وترسيم الامازيغية لغة وطنية، مازالت الحركة البربرية في الجزائر تطرح عدة اشكاليات وعدة عراقيل وصعاب للسلطة، ولمختلف القوى السياسية. وبقيت العناصر المتطرفة متشبثة بمواقفها وغير مبالية بالموقف الشجاع الذي اتخذه الرئيس بوتفليقة بترسيم اللغة الامازيغية، الأمر الذي لم يفعله أي رئيس جزائري من قبله. فبعد أكثر من نصف قرن من النضال والمطالبة بترسيم الامازيغية وقبل الاستحقاقات التشريعية بشهر ونصف، جاءت المصادقة من قبل البرلمان الجزائري بغرفتيه على ترسيم واقرار الامازيغية لغة وطنية. هذا الحدث السياسي الهام طرح أكثر من سؤال خاصة وان أهم حزبين في منطقة القبائل لم يشاركا في التصويت وهمشا من قبل «العروش» منذ أكثر من سنة أي منذ حدث اغتيال الشاب «قرماح ماسينيسا».والاشكال المطروح هذه الأيام على طاولة رئيس الحكومة علي بن فليس هو مقاطعة منطقة القبائل الانتخابات التشريعية، وفي هذه الحال تعتبر عملية ترسيم اللغة الامازيغية فاشلة وبدون جدوى ولم تحقق شيئا يذكر. وهذا يعني ان منطقة القبائل أصبحت سلعة في السوق الانتخابية تتنافس عليها قوى عديدة ومن أهمها جناح العروش الراديكالي الذي سحب البساط من أحزاب المنطقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي القوى التي تسيطر على هذا الجناح وما هي هويتها وماذا تريد بالضبط؟ مطالب الشباب الجزائري في منطقة القبائل مشروعة ومن حقه العمل والسكن والطمأنينة والأمن والاستقرار، لكن نتساءل: هل نفدت كل الطرق والوسائل الحضرية ونفدت اللباقة والكياسة والأساليب الديمقراطية حتى نلجأ الى العنف والهدم والتحطيم والتكسير؟ هل يحق لهذا الشاب المحروم، المهمش والمظلوم أن يحطم ويكسر الممتلكات العامة والخاصة؟ هل من حقه أن يضرم النيران في الحافلات وفي مراكز البريد والمواصلات وفي مراكز الكهرباء والماء وفي مقار البلديات وغيرها من المرافق؟ من هو المستفيد من هذا الوضع ولماذا لم يتعلم الجزائري الدروس بعد معاناة دامت أكثر من عشر سنوات؟ مئات الآلاف من الأرواح وعشرات المليارات من الدولارات ومازالت أفئدة الجزائري تنزف دما، من هو المسئول ومن هو المستفيد ومتى نتعلم من الأخطاء؟ يجب أن نواجه الحقيقة ونقول ان هناك قوى خفية في الجزائر وفي خارج الجزائر تصطاد في المياه العكرة وتتمنى أن تبقى الأوضاع على حالها. هناك مافيا سياسية ومالية تسيطر على الأوضاع وتعرقل كل مشروع وطني يخرج بالبلاد الى بر الأمان. وهذه القوى عرقلت النوايا الطيبة والمقاصد الانسانية للرئيس السابق اليمين زروال الذي انسحب بشرف، لانه اقتنع ان ارادته ونيته ومشاريعه ستفشل أمام أباطرة الحاويات وأمراء الكواليس السياسية. جاء بوتفليقة الى سدة الحكم وكله أمل في تغيير الاوضاع وفي استرجاع أمجاد الجزائر وسمعة الجزائر ومكانتها في المحافل الدولية. واذا كان بوتفليقة نجح في اعادة مكانة الاحترام والتقدير على المستوى الدولي فاننا نستطيع القول ان أداءه داخليا لم يرق لطموحات أعز أصدقائه ومحبيه والجماهير العريضة التي كانت تعلق آمالها عليه، وكيف لا وهو رفيق الدرب للرئيس الأسبق بومدين رئيس الفقراء والمساكين؟ في عهد بوتفليقة وبعد ثلاث سنوات من الحكم بقيت البطالة على حالها تتعدى الثلاثين بالمئة وتضخمت المشاكل الاجتماعية وتفاقم الحرمان والاحتقار، واصبحت الحياة اليومية جحيما لنسبة كبيرة من الجزائريين. الرئيس بوتفليقة فوجئ بخطورة الوضع التي تجاوزت كل تصوراته. ومما أزم الامور أكثر فأكثر هو ندرة الاستثمارات الاجنبية في الجزائر وسيطرة البيروقراطية والذهنية الاشتراكية التي مازالت متغلغلة في كواليس وأروقة الادارة الجزائرية، الامر الذي عرقل عملية الخصخصة وعملية الانتقال من الاقتصاد الاشتراكي الى اقتصاد السوق، وهذا ما أدى الى احتقان الاقتصاد الوطني وعدم استيعابه للاحتياجات المتزايدة للشعب الجزائري.يبقى طرح سؤال مهم واستراتيجي في فهم ماذا يجري وماذا يحدث في الجزائر هذه الايام من استمرار عمليات الهدم والتحطيم والتخريب في العديد من مدن منطقة القبائل مثل «تيزي وزو» و«البويرة» و«بجابية» و«أقبو» و«أميزور» وغيرها. ونتساءل هنا عن غياب دور المجتمع المدني والاحزاب السياسية وحتى العقلاء وشيوخ القبائل والعروش. فالجميع يتفرج وممتلكات العام والخاص تشتعل فيها النيران وتهدم وتكسر أمام الجميع. ما يحدث في منطقة القبائل في ذكرى الربيع الامازيغي وغداة ترسيم الامازيغية كلغة وطنية يثير تساؤلات عديدة، من أهمها: من هم الفاعلون الحقيقيون الذين يقفون وراء مقاطعة الانتخابات التشريعية يوم الثلاثين من مايو المقبل والفاعلون الحقيقيون الذين يطالبون بالانفصال والحكم الذاتي؟ ومن هم هؤلاء الذين يريدون «بلقنة» الجزائر وهي ما زالت تعاني من عشرية سوداء حصد فيها الارهاب ما يزيد على 150 ألف روح، ناهيك عن الخسائر المادية التي تفوق العشرين مليار دولار. من المسئول عما حدث ويحدث في منطقة القبائل؟ في رأي أي عاقل وملاحظ يؤمن بالمنطق وبالعقل وبالتبصر، الجميع مسئول مع الأسف الشديد، السلطة بالدرجة الأولى، الأحزاب السياسية التي أصبحت تتفرج على الأوضاع وكأن الأمر لا يهمها لا من قريب ولا من بعيد، والمنطق السياسي يقول ان أي مظاهرة أو مسيرة أو مطلب سياسي يجب أن يؤطر ويقدم وينظم في اطار مؤسساتي حزبي واضح المعالم والاتجاهات. الشباب سار ويسير في المسيرات والمظاهرات ويقوم بالأعمال التخريبية، ومازال الى حد الآن لم يتيقن ان هناك قوى تسخره وتستغله وتستعمله كوسيلة وكأرقام وكذريعة للاصطياد في المياه العكرة. مطالب الشباب مشروعة ومسيرتهم تعبر عن رأي عام يريد أن يؤثر في صناع القرار، لكن انحراف العمل السياسي عن قواعد اللعبة الديمقراطية يضرب عرض الحائط بمشروعيته ويسقط أحقيته، وبذلك يبقى الشباب الجزائري هو الخاسر في المقام الأول. الى متى هذه الانحرافات في الجزائر؟ إلى متى هذه المهازل التي لا تشرف أمة وشعبا ودولة ضحت بالغالي والنفيس من أجل استرجاع سيادتها وكرامتها وسمعتها؟ بكل منطق وصراحة سياسية هل الشغل الشاغل والمشكل الرئيسي للجزائر وللجزائريين اليوم وفي الظروف الحالية هو اللغة الامازيغية والهوية الثقافية؟ وهل باقرار الامازيغية ستحل الجزائر مشاكلها ومشاكل منطقة القبائل ومشاكل شباب المنطقة؟ أم ان هناك أولويات عديدة مثل توفير الامن والاستقرار بالدرجة الاولى والتخلص من المجازر والمذابح والارهاب؟ أليس أولى بالجزائريين أن يفكروا في تأمين العمل للشباب وكذلك السكن ومستلزمات الحياة الكريمة الشريفة قبل أي شيء آخر؟ هل هذه هي الديمقراطية التي نريدها في الجزائر، ديمقراطية الشتم والقذف والهدم والتكسير والحرق والتفرقة والتشتيت والتجزئة و«البلقنة»؟ أيحق للجزائر بعد معاناة عقد من الارهاب والمجازر والقتل والاغتيالات ان تصل الى ما وصلت اليه مؤخرا من خلال المظاهرات والمسيرات التي تنتهي بأعمال التخريب والتكسير والهدم؟ أليس عيباً وعاراً على مجتمع بدلاً من البناء والتشييد والوئام والمحبة ان يتيه في دروب العنف والحقد والكراهية والانتقام والتحطيم الذاتي؟ ألم يكف الشعب الجزائري 132 سنة من الاستعمار الفرنسي الغاشم ذلك الاستعمار الذي تفنن في التعذيب والتنكيل والقتل والتجهيل وتشويه هوية ولغة واسلام الشعب الجزائري؟ ألم تكف 10 سنوات من الارهاب والمجازر والاغتيالات وتحطيم البنية التحتية للمجتمع بكامله حتى ينساق المجتمع الجزائري في دوامة جديدة من التخريب والتكسير والقتل والحقد والكراهية. لا يختلف اثنان اذا قلنا ان الشعب الجزائري بحاجة الى حوار صريح، ونظرة نقدية مع ذاته، وان السلطة بأجهزتها ومثقفيها ورجالاتها بحاجة لفتح قنوات الاتصال مع كل الشرائح الاجتماعية في البلد ومع القوى الفاعلة، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية أم دينية، لتشخيص الداء وتوصيف الدواء واقصاء القوى الغاشمة التي تصطاد في المياه العكرة والتي تضحى بمئات الآلاف من الابرياء والمساكين من اجل مصالحها. الى متى تبقى الحركة البربرية ورقة سياسية تتلاعب بها القوى السياسية المختلفة، ولصالح من تستعمل هذه الورقة، وهل ستستطيع السلطة ان تحرر منطقة القبائل من التيارات البربرية المتطرفة، وبذلك تضمن مشاركتها في الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم الثلاثين من مايو المقبل؟ ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة