ينقل عن نابليون انه قال: انا لا احب «معليهش» ولا أعرف على وجه اليقين ان كان نابليون قد قال هذا بالفعل، أم انها حكاية ابتدعتها المدارس التي انتشرت في مصر، أوقل الثقافة الفرنسية، كي تنشر الفكرة بين طلابها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وربما حثاً لهم على الانجاز، او تعليقا سلبيا على ظاهرة التأجيل والتسويف والتسامح السلبي مع الوقت والاخطاء. غير ان مصر قد تغيرت، فلم تعد الفكرة الغامضة (التي بدأت كحلم في الثمانينيات، ثم كتصور في التسعينيات) مجرد فكرة تراوح مكانها في اضابير البيروقراطية، بل اصبحت واقعا تستطيع ان تشاهده وتلمسه وتتجول فيه بانبهار، والاكثر من ذلك ان تتعرف على امكاناته الهائلة في المستقبل، وأقصد المشروع الحضاري الذي يسمى اليوم مكتبة الاسكندرية .في ذلك الشتاء الربيعي في مدينة عريقة تعبق برائحة التاريخ، هي مدينة اسوان في صعيد مصر التأم اجتماع دولي، منذ اكثر من عشر سنوات وبالتحديد سنة 1990، فقد توافدت مجموعة من السياسيين ومحبي الثقافة للتدارس في تمويل الحلم، وهو «احياء مكتبة الاسكندرية التاريخية»، وكان الداعي للاجتماع هو منظمة اليونسكو المتحمسة للمشروع، والمضيف هو الحكومة المصرية، كان في ذلك اللقاء بجانب الرئيس حسني مبارك والجانب المصري صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وفرانسوا ميتران، رئيس الجمهورية الفرنسية، والملكة صوفيا ملكة اسبانيا، والملكة نور ملكة الاردن وقتها، وأميرة موناكو كارولين، وجمع غفير من كبار الشخصيات من مختلف انحاء العالم، وكان بين الحضور من الكويت المرحوم الاستاذ عبدالعزيز حسين، وكاتب هذه السطور. في ذلك الاجتماع التاريخي وقف الجميع على عتبة الحلم الحقيقة وتقرر الانطلاق، وأعلن الوعد بالتبرع بمبالغ كبيرة لانشاء هذا المشروع الذي انتهى تنفيذه قبل شهور، ليظهر حقيقة واقعة مطلا على البحر المتوسط في وسط مدينة الاسكندرية، بعد اثني عشر عاما من العمل الدائم، مكلفا حوالي مئتين وأربعين مليون دولار، منها مئة مليون تبرعات من الخارج، والباقي تحملته الخزينة المصرية، وكانت قرينة الرئيس المصري السيدة سوزان مبارك هي رأس القاطرة لانجاز هذا المشروع التاريخي العظيم، ومعروف ان التكلفة المذكورة لا تدخل ضمنها التبرعات العينية الكبيرة التي قدمت من دول عديدة على شكل خدمات او اجهزة حديثة. التاريخ القديم لمكتبة الاسكندرية التاريخية، وخصوصا حظها العاثر في الاندثار، كان ولا يزال محط شغف القراء والكتاب منذ منتصف القرن الثامن عشر، عندما تعرف العالم على ان مكتبة عظيمة كانت «هنا» في سالف العصر. فالأكاديميون والبحاثة استخدموا قدراتهم البحثية من اجل كشف هذا السر الخفي، وتبديد غموضه، وكشف الاجابة عن تساؤلات كثيرة: متى اندثرت المكتبة؟ وفي اي عصر؟ وغيرهما من الاسئلة. وعلى الرغم من ان سخونة البحث عن اسرار اندثار هذه المكتبة قد هدأت في الفترة الاخيرة، بعد ان تأكدت علميا الكثير من الحقائق، ومنها ان هذه المكتبة لم تشهد عصر دخول العرب المسلمين الى مصر، لا يزال البعض يريد ان يبقي هذا الخلاف قائما.برغم ذلك فإن هناك دلائل موضوعية على ان هذه المكتبة، على مدار تاريخ تطورها، قدمت للانسانية خدمة جليلة، فقد شجعت البحث العلمي كما عرفته الحضارة اليونانية الرومانية التي سادت العالم وقتذاك (قرنين قبل الميلاد) وتركت آثارا لها من الشواهد العملية استفادت منها البشرية بعد ذلك في الفلك والطب والفلسفة والهندسة. من دون الدخول في نقاش تاريخي حول دور العرب في اقتفاء آثار هذه الحضارة وما نقلوه او تركوه منها تقوم اليوم المكتبة الجديدة، على شكل دائرة غير مكتملة ـ مبنى رائع في شكله ومعماره، لا يضم فقط مكتبة حديثة تنمو باطراد، بل يحتضن ايضا مشروعاً حضارياً تاريخياً قابلاً للتطور والنمو. فالزائر للمكتبة اليوم قبيل افتتاحها الرسمي بشهور قليلة يقف امام هذا المبنى مبهوراً، فهو في دائرته غير الكاملة يرمز الى عدم اكتمال العلم، حتى يومنا هذا في بداية الالف الثالث قبل الميلاد، كما يرمز الى الحلقة شبه الدائرية لتقدم الانسانية، ففي الوقت الذي نتقدم فيه في العلوم والمعارف الى آفاق عالمية، لايزال الظلم والتخريب يحيطان بنا من كل جانب من جراء ما يوقعه الانسان على أخيه الانسان. بجانب وجود الكتب، وهي ذخيرة أساسية في أي مكتبة، تدخل التقنية الحديثة كأحد العوامل المهمة والجديدة في الخدمة المكتبية، وهي عنصر مساعد لتكثيف التطور المعرفي، حيث اصبحت كل مقتنيات مكتبة الكونجرس «وهي من أعظم المكتبات اليوم» متاحة الكترونيا في مكتبة الاسكندرية، كما اصبح من الممكن، وبمساعدة التقنية، ان يتصفح المهتم كتاباً مخطوطاً، دون ان يلمسه، فقط بواسطة الكمبيوتر! وعلى الرغم من ان هذه التقنية هي سويدية في الاساس، كما شرح الاستاذ المسئول عنها، إلا ان المصريين قد طوروها لتناسب المتصفح العربي، ومعنى ذلك، انك تستطيع اليوم ان تتصفح اي مخطوطة من هذه المخطوطات العربية النادرة وان تقرأها من دون ان تلمسها بيدك، وفي القريب يمكنك ان تقرأها وانت في بيتك، سواء كنت في مسقط او الدار البيضاء أو سياتل في غرب الولايات المتحدة، وذلك بواسطة الانترنت. تقدم مكتبة الاسكندرية خدمات مهمة كثيرة، منها موضوع طالما عانى من نقصه الاكاديميون في بلادنا العربية، فكثيرا ما يحدث ان يعكف احد الباحثين على دراسة موضوع لتقديمه لنيل درجات علمية عليا، وبعد ان يبذل كثيراً من الوقت والمال والجهد، وبعد ان يكون قد قطع شوطاً كبيرا في بحثه يفاجأ بأن باحثاً آخر قد قارب على انجاز البحث نفسه، في مكان قريب أو بعيد، وقد حدث هذا الامر كثيرا.. لكن الآن يمكن ان تعرف بلمسة اصبع، ما هو تحت البحث من موضوعات في الجامعات المصرية كافة، وهي خدمة يرجو كثيرون ان تمتد الى كل الجامعات العربية في القريب.مكتبة الاسكندرية لا تقتصر على مثل هذه الخدمات مع اهميتها، فهي بجانب خدمة المجتمع المحلي والاقليمي، قد تشكل مركز استقطاب للمهتمين والمثقفين في العالم بالحضارة العربية، ومن ثم بالقضايا العربية الحالية، ولقد كان اجتماع اصدقاء مكتبة الاسكندرية في الاسبوع الماضي الذين قدموا من اطراف العالم الغربي، مناسبة ليتدارسوا مهماتهم المستقبلية في الدعم والاسناد، وهم جماعات تطوعية أتوا للمناصرة بمبادرة ذاتية تطوعية، من اجل دعم عمل المكتبة، وليشكلوا شبكة واسعة من المثقفين والمهتمين، بعضهم تابع انشاء هذا الصرح الحضاري منذ البداية لايمانهم بأهدافه الانسانية السامية، كما قال احدهم: «منذ ان كان حفرة كبيرة في الارض حتى اصبح مبنى رائعاً وجميلاً وحضارياً، ولكننا لن نكتفي بذلك، فلا يزال الطريق طويلاً». مثل هذه الجماعات التي مع الاسف لم يتكون مثلها في بلادنا العربية، هي مثال للاتصال والتفاعل الحديث مع البشر، البشر العاديين والمهتمين بالثقافة والانسان معا، وقد يكونون خير ذخيرة لشرح آمالنا وتطلعاتنا العربية في ان يكون لنا مكان يليق بنا تحت الشمس.هذا المشروع الذي اصبح «عينا بعد خبر»! في فكرته الاولى ومتابعتها الحثيثة وتحويلها الى صرح ملموس يقدم خدمة جليلة للبشرية، هو بحد ذاته دليل على نجاح التصميم حين يجد من يرعاه ويؤمن به ويسانده.. وقد تحول هذا المشروع بالفعل الى جنة معرفية يانعة تضم صالات العرض والمعارض المختلفة، وقاعات الاجتماعات.. لكن يبقى المغزى الاهم لهذا المشروع هو انه يجسد تصميم مصر الحديثة على مواصلة مسيرتها التاريخية التي كانت منارة اشعاع. ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت