لم يفلت شاعر أو روائي او كاتب او فنان من الوقوع في هوى المقاهي، والتباهي بأن هناك نسبا راسخا بينهم وبينها، واكاد ازعم بيقين ان اغلب الاعمال الادبية (الروائية والشعرية) التي طالعتها منذ بدايات العمر البهي، لم تخل من احتفائية واضحة بعالم المقهى، هذا التراث الضارب في عمق الحياة العربية المعاصرة، والذي تحول تدريجيا الى تراث خفي ومتداول في الوقت ذاته ولا يخلو من تشابك وتعقيد. وعند الحديث عن المقاهي فان مفردات بعينها تتبادر الى الذهن مباشرة وتتفاوت احيانا بين جيل وآخر ومرحلة وأخرى، وبحسب نوعية ومكانة المقهى نفسه، وأكثر مفردات المقاهي شيوعا: الجريدة وفناجين الشاي والقهوة، والشيشة أو الأرجيلة وقد تضاف عليها مفردات اخرى بحسب مستوى المقهى كما قلنا كرقع الشطرنج وطاولات النرد كما في عواصم عديدة ذات تراث عميق موغل في عالم المقاهي كالقاهرة وبيروت ودمشق وبغداد.. وتبقى العلامة الفارقة لمقاهي هذه العواصم زاوية في ركن معروف جدا للجميع يحتله اديب او شاعر او رسام. يحكي احد الشعراء ممن ارتبطوا بالمقهى وكتب فيه أول دواوينه الشعري (مديح لمقهى آخر) قائلا: لقد كان المقهى هو المسرح الخلفي للثقافة الاولى وللكتابة التي تصاغ امام الآخرين. يحكي احد الذين حدثوني عن المقاهي في دبي بأنها شهدت وجوها واسماء بارزة تقاتلت حول افكار راجت ذات زمن وصبت كلها في السياسة والدين والشعر.. فكان لبعض المقاهي عندنا دور الرابطة التي جمعت اصحاب الافكار المشتركة والمختلفة والذين طالما تعالت اصواتهم صراخاً حول الشعر والكتابة والثقافة حتى اذا جاء دور السياسة صار الحديث همساً واشارات وكثيرا من الالتفاتات ذات المغزى! وطالما امتلأت المدينة بالمقاهي وتحولت الشيشة بكل سيئاتها وازعاجاتها الى مفردة رئيسية في مقاهينا فاننا ربما نحتاج لان نقف عند دور المثقفين من اهل الكتابة والصحافة والشعر والفن والمسرح.. ولماذا لا يحاولون اختراع طقس او مشهد ثقافي جديد في قلب هذه المقاهي المنتشرة في كل مكان خاصة مما يسمى بمقاهي الارصفة والاماكن السياحية؟ لماذا لا يتخذ البعض منهم زوايا واركانا يتهافت عليها الراغبون والمتعطشون من الشباب وهواة القراءة ومتابعي الحياة الثقافية لتدور عجلة الحياة في هذه المقاهي على وتيرة اخرى يتم من خلالها استعراض التجارب الشعرية والروائية مثلا او تقييم بعض الاعمال او قراءة جديد الصحف والمطبوعات وتقييمها مع همس لابد منه في السياسة وحركات التدين وشطحات الفن والمسرح وأمور اخرى؟! لدينا اسماء لا شك ستشكل جذبا واستقطابا للعديد من الشباب وغير الشباب وهم معروفون للجميع بنتاجاتهم الادبية والصحافية والشعرية والتراثية والسياسية، ما يعني اننا نطالب بأن تخرج الثقافة للجماهير المتسمرة على كراسي المقاهي غير عابئة بغير دخان الشيشة وفناجين الشاي بالنعناع والقهوة.. ولا ضير بأن يذهب مثقفونا واساتذة جامعاتنا وكتابنا وصحفيونا لادارة جلسات على الهواء مباشرة في المقاهي فقد جلس في المقاهي وكتب وألف كبار الكتاب والعباقرة في المشرق والمغرب امثال نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف وأمل دنقل وعبدالسلام العجيلي ومحمد ملص ومظفر النواب والجواهري ونزار قباني وعبدالرحمن الابنودي.