في هذه الايام يعكف صديقنا الكاتب يوسف الشريف على وضع اللمسات النهائية لكتاب يصدره عن ظرفاء مصر الذين عايشهم وتبادل معهم ضروب التأثر والتأثير. وقد اختار يوسف الشريف لكتابه الجديد عنوانا يقول: «صعاليك الزمن الجميل» ولا عجب، ففي سيرة اي ظريف لمحات من حياة الصعلوك بمعنى البوهيمية، والتمرد بقدر ما ان في حياة هؤلاء الظرفاء الذين ازدانت بهم مجالس قاهرة الخمسينيات والستينيات بالذات ـ قاهرة العروبة وعبدالناصر والحلم القومي وعبدالحليم حافظ ـ في حياتهم نفحات من عطر الاحباب كما يقول التعبير البليغ للعم المبدع يحيى حقي رحمة الله عليه. ولو أحسن الاستاذ يوسف الشريف لأصدر كتابا جديدا عن يوسف الشريف شخصيا بوصفه واحدا من ظرفاء زماننا، فالى جانب ثقافته السياسية والادبية والفنية الواسعة، وفضلا عن خبراته التي تراكمت بالكم والكيف على مدار سنين بقضايا العالم العربي ثم تركزت فهما ومحبة وتواصلا وحدبا يبلغ مراقي العشق بقطرين عربيين بالذات وهما اليمن والسودان ـ فضلا عن هذا كله فلا يزال يوسف الشريف وبرغم عارض من مرض نتطلع الى المولى ضارعين لشفائه زينة مجالسنا في القاهرة وخاصة بتعليقاته اللاذعة ونقداته الساخرة ومرويات ذكرياته التي يمتح فيها من منهل لا ينضب.. كيف لا وقد شاء له حسن حظه المهني ان يكون من فرسان مدرسة الشباب والتجديد الصحفي في مؤسسة روز اليوسف مما اتاح له ان يصاحب كوكبة من سادة الكلمة كان على رأسهم أحمد بهاء الدين واحسان عبدالقدوس وحسن فؤاد.. وفي اطار الانتماء الى هذه المدرسة الصحفية المبدعة في زمانها.. امتدت مصاحبة الشريف لعميد الساخرين العرب محمود السعدني الذي لاتزال تربطه به صداقة حميمة وعميقة وللشاعر الكبير كامل الشناوي صاحب اجمل ما تغنى به عبدالوهاب ابتداء من نشيد الحرية ـ كنت في صمتك مرغم، كنت في صبرك مكره فتأمل وتكلم وتعلم كيف تكره.. وليس انتهاء بأغان باقية لا تزال في الوجدان العربي المعاصر مثل الخطايا.. زعموا حبي يا قلب خطايا لم يطهرها من الاثم بكايا وحتى اغنية عربية التي كرست مجد الوحدة التي قامت بين مصر وسوريا وقال كامل الشناوي في مطلعها على لسان عبدالوهاب ايضا: كان وهما وأماني وحلما الى ان يكتب صاحب العزة كامل بك الشناوي وكان هذا لقبه ايام العصر الملكي وظل اللقب كامل بيه على لسان اصدقائه ومريديه وهي اغنية لا تكذبي اني رأيتكما معا، ودعي البكاء فقد كرهت الادمعا. وقد اصدر يوسف الشريف كتابا ضافيا عن كامل الشناوي لعله الاوحد المتفرد من نوعه عن تلك الشخصية التي جمعت بين دنيا الصحافة والسياسة وبين ابداع الشعر وفن الظرف الراقي الطريف، وفي العام الماضي اصدر صديقنا يوسف كتابه عن القديس الصعلوك عبدالرحمن الخميسي وكان بدوره شخصية فريدة في عمود الابداع العربي المعاصر. اقرب الى جرم العملاق.. جاء من ارياف الدقهلية في شمال شرقي دلتا النيل وتقاذفته أنواء القاهرة فيما تخاطفته اضواؤها حيث انداحت موهبته في مسارات شتى، بدأ ممثلا في فرق الاداء الارتجالي التي تقدم فنها الى فقراء الجماهير في ظل ظروف بالغة البساطة الى حد التعاسة كما قد تقول (فرقة احمد المسيري) وبعدها تحول الى خدمة الكتابة حيث كانت اشعاره التي كان الخميسي ينشرها في جريدة «المصري» قبل ثورة عبدالناصر ارهاصا بميلاد فصيل يحمل طزاجة الحلم بشعر اجمل ووطن افضل. ومن المرويات المشهورة التي لم يتردد الاستاذ الخميسي في سردها وقد حققها بأسانيدها صديقنا يوسف الشريف تلك اللحظة التي كان الخميسي جالسا فيها بقامته السامقة ونظارته السوداء وأناقته المعهودة يكتب مقاله في دار «المصري» بشارع قصر العيني في ليلة صيفية من ليالي قاهرة عام 1952 كانت الدار قد اقفرت من موظفيها وفجأة دخل الغرفة شاب اسمر طويل القامة وطرح السؤال في ادب جم لو سمحت يا افندم اين مكتب الاستاذ احمد ابو الفتح رئيس التحرير؟ رد الخميسي متبرما بصوته الأجش العميق (كانت اوتاره من طبقة الباريتون ولا تزال ذبذباتها ترن في السمع وقت كتابة هذه السطور): قال الخميسي: يا ابني اسأل اي فراش أو أي موظف واتركني اشوف شغلي. ـ آسف يا افندم. خرج الشاب الطويل الاسمر.. ولكنه عاد بعد دقائق يعاود طرح السؤال وهنا ازداد حنق الكاتب الكبير فبادر الشاب المجهول معنفا: يا ابني أنا عبدالرحمن الخميسي عارف معنى عبدالرحمن.. الخميسي، شوف لك اي واحد يدلك فأنا كاتب وشاعر ولست حارسا لأحمد أبو الفتح واتفضل حضرتك من غير مطرود. قال الراوي: ولم تمض سوى اسابيع قليلة حتى قامت ثورة 23 يوليو وبدأت صور زعمائها الشبان تظهر على صفحات الجرائد.. ولم يفت العم عبدالرحمن الخميسي ان يطالع منها الصورة التي تكرر نشرها في اطار من الاهمية كأنما كان يعرف صاحبها من قبل.. وكانت صورة الشاب الاسمر المهذب الذي كاد الخميسي أن يطرده ذات مساء صيفي من دار جريدة المصري وكان اسم الشاب هو جمال عبدالناصر!. في ايامنا هذه يجلس يوسف الشريف كثيرا في بيته يتعافى من مرضه ويحول غرفة مكتبه الحميم الى مرصد يرتب فيه احوال الناس والعالم.. يقرأ كثيرا ويتابع التلفزيون كثيرا ويلتقي بالناس اكثر.. ويتحاور ويدلي بالرأي ويعلق على الاحداث بفهم عميق وسخرية لاذعة ومحببة قلت له يوما: ان جماعة التلفزيون دعوني للمشاركة في احد البرامج المذاعة على الهواء الى هنا والامر عادي ويتكرر كثيرا في هذه الايام.. خاصة وقد اصبحت القنوات المتلفزة اكثر من الهم ـ كما يقولون ـ على القلب، دع عنك ان معظمها لا تدفع شيئا مذكورا ـ ان دفعت اصلا ـ للاخوة المشاركين، لكن الاخ يوسف الشريف سكت قليلا ثم طرح السؤال: بالمناسبة هذه المشاركة.. عولمة ام حوار حضارات؟! وكان بهذا السؤال الساخر يلخص ساخرا ذلك الاتجاه الذي طالما يسود المشهد الثقافي الفكري في الوطن العربي.. ما ان يطرح الغرب فكرة حتى نتلقفها نحن اليعاربة الميامين فيحولها بعضنا الى موضة ذائعة ومتفشية في اذاعاتنا وصحفنا وقد يحولها البعض ـ كما لا يخفى على فطنتك ـ الى سبوبة لزوم الرزق الذي يحب الخفية كما يقول عامة المصريين. كم صدعنا الناس في بواكير شبابنا بالحديث عن «المعادل الموضوعي» الذي قال به الشاعر الناقد الانجليزي الامريكي إليوت وبعدها ملأنا الدنيا كلاما عن شعارات أدب الالتزام وعن احتكاك المثقف بالجماهير وقد اوغل فيه البعض في سوق المزايدات فأسماه الالتحام بالجماهير. واذا كانت الموضة المتلفزة السائدة في هذه الايام هي كما لخصها الساخر الظريف يوسف الشريف موضة الاحاديث عن العولمة وعن حوار الحضارات وذلك منذ ان ابتلانا القدر الساخر بدوره باطروحة تصادم الحضارات التي فاه بها الاخ صمويل هنتنجتون منذ بضع سنوات وظلت تلف وتدور حول الكرة الارضية تعود على الناس بالمزيد من وجع الدماغ فيما تعود على البروفيسور الامريكاني المذكور اعلاه باتساع الشهرة وحسن الاحدوثة وربما بزيادة في ارقام الايداعات المصرفية ـ الا ان هناك شعارات اخرى ما برحت تجري مجرى الموضة بين جموع المثقفين العرب وأولها كما لا يخفى عليك أشعار الحداثة وما بعد الحداثة ـ تصور! نحن اليعاربة صرنا نلوك حكاية الحداثة بينما لا تزال قطاعات في شعوبنا الطيبة تخرج بالكاد من ربقة العصور الوسطى وفيما نكاد نعايش هذا الامر امام ناظرينا إذ بنا نجازف بالكلام عن ما بعد الحداثة فيا للجسارة التي لا يطرف لها رمش ولا تهتز لها نأمة. نتكلم ايضا عن حكاية «البنيوية» ونهرع الى تصنيف هذا الكاتب او ذاك الاديب بأنه «بنيوي» وقبل ان يفهم الناس اصل الحكاية نقذفهم بتعبير مستجد اخر من بضاعة الفرنجة وقد ذاع منذ سنتين او ثلاث بمعنى انه من مستحدثات السوق وهو التفكيكية، وكما عزمنا السيد صمويل الامريكاني بتاع الحضارات لم نتردد في عزومة السيد ديريدا الفرنساوي بتاع التفكيك وكلها أرزاق. وربما أحس جهابذة المثقفين العرب بأن واجب الالتحام او الاحتكاك بالجماهير يفرض عليهم تبسيط المسائل وتيسير المفاهيم وربما كانت العولمة مشكلة عويصة في الشرح والتفسير ثم كانت التفكيكية مشكلة اعوص وافدح. . فما كان من اهل الثقافة العرب الا ان طلعوا بشعار سرعان ما كان له مسرى النار المندلعة في هشيم الجفاف ذلك هو شعار «التنوير» الذي زاد وغطى وفاض وطفح الى حد ضاق به مثقف يعربي بارز هو الدكتور جابر عصفور الذي صرح مؤخرا بأنه بات يكره كلمة التنوير هذه من فرط تكرار استخدامها الى حد يثير الاستفزاز. ورغم ان البروفيسور عصفور هو نفسه من أعمدة دعوة التنوير شخصيا ـ الا ان الرجل معذور ازاء هذا الغلو في تداول الكلمات والشعارات بمناسبة احيانا ومن غير مناسبة في غالب الاحيان حتى لقد بلغ الامر حد تأسيس قناة تلفزيونية مخصوصة اسمها بالمناسبة قناة.. التنوير، وكم كان صادقا وظريفا رسام الكاريكاتير المصري الذي نسيت اسمه للأسف وقد نشر مؤخرا كاريكاتيرا في الاهرام القاهرية، يصور حوارا بين والد العروس وبين الخطيب الذي جاء يعرض مؤهلاته ومواهبه في غرفة الاستقبال وقد بدأ الرجل العجوز بسؤال بديهي: وحضرتك ماذا تشتغل في قناة التنوير؟ وجاءه جواب عريس الغفلة على الفور: كهربائي!